“مجلة Spirou تبحث عن رسام قصص مصورة…” كان هذا جزءا من إعلان قرأه الشاب بيير كاليفورد (Pierre Culliford) ذات صباح في أحد الصحف اليومية البلجيكية، مما جعله يتقدم لطلب هذه الوظيفة، فكانت بدايته مع هذه المجلة الشهيرة ذات الصيت الواسع في مجال القصص المصورة، حيث كلف بإنجاز قصص مرسومة أسبوعيا مما أتاح له فرصة نشر شخصياته بحلة جديدة، كشخصية جوهان (Johan) التي كانت تنشرها له (في صفحة واحدة) صحيفة La Dernière Heure، حيث حول شعر جوهان الأشقر إلى أسود وأضاف له صديقا ذا شخصية مرحة وكسولة تحمل اسم بيرلو (Pirlout)، وهذا ما جعله ينجح في تجربته مع هذه المجلة، فقد أضاف لصفحاتها شخصيتين نالتا شعبية كبيرة وسط القراء في تلك الفترة.

دراسته في أكاديمية الفنون ببروكسل وعمله لفترة قصيرة باستوديوهات رسوم متحركة وامتهانه كذلك الدعاية والإعلان من قبل، هي عوامل جعلته يبدع في وظيفته الجديدة ويثبت قدرته على إثراء عالم القصص المصورة بشخصيات متميزة ومؤثرة، متخذا بِيو (Peyo) اسما فنيا يوقع به أعماله.
وفي قصتهما المصورة التي تحمل عنوان “الناي ذو الثقوب الستة” عام 1958 اكتشف البطلان جوهان وبيرلو تلك الشخصيات الزرقاء الصغيرة ذات السراويل والقبعات البيضاء، والتي سميت السنافر (Schtroumpfs). وهناك حكاية عن سبب تسميتها بهذا الاسم، حيث يُحكى أن بِيو وصديقه جلسا يوما لتناول الطعام في أحد المطاعم، وأراد أحدهما أن يطلب من الآخر أن يناوله الملح، وبدلاً من أن يقول له بالفرنسية Passes-moi le sel قال له Passes-moi le schtroumpfs (ويبدو أنه قد فاجأه العطس لحظتها) وهكذا خرجت الكلمة للوجود لتكون اسما لشخصيات كرتونية اعتبرت فيما بعد من أنجح وأشهر شخصيات الكرتون في العالم.

كان لذكاء وحدس رئيس تحرير مجلة Spirouفي ذلك الوقت دور كبير في نجاح تلك الشخصيات، فبعد الإعجاب الذي أبداه القراء بهذه الكائنات القزمية قام بدراسة الاحتمالات المستقبلية لها، وقرر نشرها بملحق منفصل بمقاس صغير ظهر في عام 1959 تحت اسم Spirou’s Micro-stories، فكان النجاح مدويا، وهذا ما حث الفنان بِيو على إعادة رسمها بمقاس الصفحة العادي وأعيد نشرها في Spirou الكبرى.
استطاع بِيو بهذه الشخصيات الزرقاء أن يحتل مكانا بارزا وسط رسامي عصره، بل بمرور الوقت أصبحت السنافر من كلاسيكيات القصص المصورة، فقد ظهرت بعد ذلك إلى الوجود ألبومات قصصها في السوق، وكانت مبيعاتها كبيرة جدا خاصة بعد ظهور الفيلم الأول “السنافر والناي السحري”، كما زادت في نجاحها وشهرتها أغنية “السنفور الأعزب” التي غناها الفنان الهولندي الأب أبراهام (Father Abraham) والتي حطمت الأرقام في كل من هولندا وبلجيكا ومن ثم العالم أجمع، الأمر الذي زاد من مبيعات التحف والهدايا والميداليات على شكل السنافر.
نجاح القصص الأولى للسنافر جعل بِيو يؤسس أستوديو خاصا به ويضم إليه مجموعة من الرسامين، فكان سببا في ظهور عدد كبير من فناني القصة المصورة. وهنا أريد أن أنبه أن سبب نجاح هذا الفنان لم ينبع فقط من كونه مبدعا ومبتكرا، بل نجده كذلك إنسانا محبا للجودة والإتقان حيث كان متشددا وصارما مع نفسه ومع مجموعة فريق عمله، فقد قرأت أنه في مرة من المرات أجبر أحد الذين يعملون معه على التدحرج بين الصخور من أجل أن يتبع الرسامون طريقة الحركة ووضعية الرسم…
ابتكر بِيو كذلك شخصيات نالت هي الأخرى مكانا في عالم القصص المصورة على غرار السنافر، كسلسلة بوسي (Poussy) وسلسلة بونتوا بريسفر (Bentoit Brisefer) وسلسلة جوهان وبيرلو التي تحدثت عنها فيما سبق، لكن بدايةً من عام 1970 ركز نشاطه كليا على رسم سلسلة السنافر، وكان قراره هذا صائبا وناجحا خاصة بعد أن عرض عليه العبقريان ويليام حنا وجوزيف باربيرا (William Hanna & Joseph Barbera) (مخترعا توم وجيري) التعاون في إنتاج مسلسل كرتوني لصالح قناة NBC. ولا يخفى على المختصين في المجال أن إنتاج فيلم كرتون في ذلك الوقت يحتاج إلى تركيز كبير وتفرغ كامل…

وبالفعل، ظهر مسلسل السنافر لأول مرة في الـ12 من سبتمبر عام 1981 بالقناة الأمريكية المذكورة، فحقق شهرة كبيرة من خلال عرضه لمدة تسعة مواسم، في 421 حلقة مدة الواحدة منها حوالي 20 دقيقة، دبلجت إلى مختلف لغات العالم، وكان للغة العربية نصيب في ذلك من خلال الدبلجة الرائعة التي قدمتها لنا الأستديوهات اللبنانية المميزة، فأغلبنا يحمل في ذاكرته صوت أبطال المسلسل أو أغنية المقدمة الجميلة*.
ازداد أحباء ومتتبعي السنافر في كل أنحاء العالم، فكان النجاح كبيرا وأصبحت شخصيات كرتونية معروفة على نطاق واسع، الأمر الذي جعل بِيو ينظم نشاطه أكثر، حيث قسم المهام ووزع الأعمال على أفراد أسرته (النشاطات التجارية والشركة والمجلة وأفلام الكرتون)، وظل هو على رأس هذه الإمبراطورية ومديرها حتى وفاته عام 1992.
بعد وفاته استمر فريق من الرسامين في إصدار قصص السنافر، فرغم مرور 50 عاما على ميلاد هذه الشخصيات القزمية الزرقاء، إلا أننا مازلنا نجد جديدها في ألبومات ومجلات. وحسب ما تناقلته الوكالات الأجنبية، فإن ما بيع من مسلسل السنافر حتى اليوم بلغ أكثر من 25 مليون نسخة وبيع كذلك 300 مليون مجسم و40 مليون قرص مدمج. تقرر كذلك إصدار فيلم ثلاثي الأبعاد في نوفمبر 2008 متبوعا بـ 26 حلقة مدة الواحدة منها نصف ساعة، وذلك احتفالا بالذكرى الخمسين لإنشاء هذه الشخصيات المرحة.
*******
اهتمامي بتخصيص مواضيع تتطرق لمسار شخصيات غربية معينة، على غرار شخصية هذه التدوينة، لا يعني أنها المثال الكامل الذي يقتدى بكل أفعاله وآرائه، إنما الهدف من ذلك هو التركيز على مواطن الإبداع والنجاح في تجارب وإنجازات الشخصيات البارزة في مجال رسومات الأطفال (وكل ما له علاقة بهذا الميدان)، وتحليلها والاستفادة منها بما يتناسب مع معتقداتنا.
—————-
* أغنية مقدمة مسلسل السنافر: الرابط الأول (سمعي)، الرابط الثاني (فيديو).


أبدعت يا معمر في الكتابة مثل الرسم، ما شاء الله عليك، شعرت بسعادة كبيرة أثناء القراءة فعلا، أسلوب جميل هاديء يستحق الكثير من المديح، ما شاء الله…
الحمد لله أن كنت أول المعلقين على هذه التدوينة الجميلة، ذكرتني بالأيام الجميلة
الصديق عامر
شكرا لك على هذا الموضوع الجميل
فعلا على كل رسام أن يقرأ سير من سبقوه كي يسفيد من خبرتهم في مساره الابداعي
أحييك على نشاطك، كما أنتظر جديدك دائما
الاخ والصديق والفنان عامر
احييك على هذا الموضوع الجميل فقد استفدت منه كثيرا
واتمنى ان تمتعنا دائما بموضوعاتك الجميلة
معلومات قيمة و أول مرة أقرأها , جميل ما كتبت اخي عامر
صدقني أن ما كتبته هو قصة جميلة استطيع أن ارويها للأطفال .
بشئ من إعادة الصياغة .
الله يبارك فيك .
وأنا أقرأ هذا الموضوع تذكرت كم كنت أستمتع بمشاهدة الرسوم المتحركة في صغري، أنتظر الحلقة الموالية بفارغ الصبر، وأنزعج كثيرا عند انتهائها لدرجة أني كنت أود التقاء المسؤولين عنها حتى أطلب إليهم تمديد مدة البث…
لم أكن أعي حينها ما وراء تلك الحلقة الشيقة (القصيرة) من عمل دؤوب وجهد جهيد ومسار يكون قد دام سنوات وسنوات حتى يأتي الناتج بتلك الجودة المغرية وذاك النجاح المميز..
لذا.. أعتذر من كل مبتكري الرسوم المتحركة الذين ظلمتهم وأنا صغيرة
وحتى لا أظلمك أيضا يا فناننا المبدع، أحييك وأشكرك على هذا العمل الرائع والمفيد والذي يكون قد استغرق منك الجهد والوقت والبحث..
بارك الله فيك يا محب الجودة والإتقان
موضوع جيد حيث افادنى للتعرف على احدى من قدم لاطفال قصص تنمى لهم الرغبة فى الاطلاع و حب الكتاب
أسلوبك رائع جدا والموضوع اكثر روعة وإفادة
شكرا على كل حرف كتبته
شبايك، آمال، أحمد، ابن مصر، معلم الانجليزية
سعدت بتعليقاتكم وكلمات الثناء التي حملتها
نوال
فعلا هناك عمل دؤوب و جهد جهيد يبذله صانعو الرسوم المتحركة خاصة في عصر الفنان بيو حيث كانت وسائلهم يدوية بدائية مقارنة بوسائل اليوم .
أبو أحمد
تعليقك أوحى لي بفكرة طيبة، هي الآن قيد الإنجاز .