أهوتك أيه؟ ـ استوقفني السؤال حين وجدته مكتوبا بحروف كبيرة على شاحنة لنقل البضائع. لأول وهلة ظننت أنه يستفسر عن شيء يتعلق بالهوى، لكنني تبينت من الرسوم المصاحبة أن الأمر أبعد من ذلك، وأن السؤال يراد به لفت نظر الناس إلى نوع معين من القهوة، وأنه في العامية العادية «قهوتك أيه»، ولكن صياغته تأبّت على تلك العامية العادية، بحيث باتت تعبر عن مرحلة متقدمة في ابتذالها والازدراء بها.

ليست هذه حالة خاصة، لأن العبث باللغة الفصحى واستخدام العامية المبتذلة أصبح الأصل في الإعلانات التجارية، حتى التي تصدر عن بعض المؤسسات الحكومية، خصوصا تلك التي تتعامل مع الجماهير بشكل مباشر، حيث يتصور العباقرة الذين يديرونها أنهم لكي يصلوا إلى الناس ينبغي أن يهبطوا باللغة التي يخاطبونهم بها،

أما الإعلانات التي تصدر عن أهم مؤسسات القطاع الخاص فهي تتسابق في احتقار العربية الفصحي، وفي بعض الأحيان فإن احتقارها يمتد إلى الحروف العربية، بحيث أصبحت بعض تلك الجهات تنشر في الصحف إعلانات تخاطب القارئ العربي باللغة الإنجليزية. وإذا كان التلفزيون المصري يتخير مفردات ومصطلحات إنجليزية في تسمية بعض البرامج (كونكت وزوم وريبورتاج وبانوراما وغيرها) فلم يكن مستغربا أن تطلق كلمات إنجليزية على بعض القنوات الخاصة، وأن تنشأ قناة مخاصمة للغة العربية بالكامل، ويقتصر بثها على استخدام العامية العادية والسوقية والمبتذلة.

ويبدو أن وباء العامية تفشى في بقية وسائل الإعلام، حتى اجتاح الصحافة التي كانت تنشر على صفحاتها الأولى يوما ما مقالات العقاد وطه حسين وأشعار شوقي وحافظ إبراهيم، أصبحت تنشر الآن عناوين تتحدث عن «الأكيلة والهبيشة» ونتساءل عن تحول إحدى المطربات «للهشك بشك». وأصبح الكتاب غير الموهوبين يتسابقون على استخدام العامية السوقية والمبتذلة، فيما يتصورونه تبسطا واستظرافا. أما فضيحة اللغة التي يتحدث بها كبار المسؤولين في البلد، فحدث فيها ولا حرج. وليست بعيدة عن أذهاننا صدمة قصيدة «يا ويكا» الهابطة التي اسهم بها رئيس وزراء سابق في حفل تكريم د.فتحي سرور رئيس مجلس الشعب.

بلا حصر تبدو مظاهر وتجليات هجرة اللغة العربية واحتقارها في التعليم الخاص، ليس في مصر وحدها، وإنما في أغلب الدول العربية. وذلك أوضح ما يكون في منطقة الخليج التي اكتسحتها الإنجليزية حتى أصبحت لغة التخاطب في جامعاتها وفيما بين الدوائر الرسمية في بعض دولها، بحيث أصبحنا بحاجة لكي نصحح ذلك الوضع المختل إلى العودة إلى حملة «تعريب الدواويين» التي قادها عبدالملك بن مروان في العصر الأموي، ذلك واضح أيضا في أغلب دول المغرب العربي خاصة، التي فشل الاستعمار في فرنسة لسانها، ولكن الفرنسة اجتاحت تلك الأقطار في عهد الاستقلال.

من المفارقات أنه في حين تتعرض اللغة العربية وحرفها للإهانة والازدراء في أغلب أقطار العالم العربي، فإن بعض الدول غير العربية لاتزال تتمسك بالحرف العربي في لغتها (إيران وباكستان وأفغانستان)، ويسمونه هناك «الحرف الشريف»، لأن لغة القرآن كتبت به.

إن احترام اللغة من احترام الذات ومن تجليات الاعتزاز بالانتماء. وهي في بلادنا لم تُهزم، لكننا نحن الذين هُزمنا فتخلينا عنها وازدرينا بها. وليس ذلك أعجب ما في الأمر، لأن الأعجب أن السلطات وأغلب مؤسسات المجتمع تقف متفرجة ومحايدة إزاء ذلك «الانتحار» اللغوي، في حين أنها تملك أن تعبر عن غيرتها على الفصحى بوسائل شتى، أبسطها أن تحظر استخدام العامية فيما يصدر عنها من بيانات أو إعلانات حكومية، وأن تلتزم بذلك الصحف القومية على الأقل.

لكن ذلك يتطلب إرادة وغيرة، الأمر الذي يعني أن الحل هو المشكلة. وهو إذا استعصى فأخشى أن يحال الملف ذات يوم إلى وزارة الداخلية لكي تتولى أجهزتها حراسة الفصحى أيضا!

—–
ألأستاذ فهمي هويدي صحفي و مفكر مصري معروف، جميع الحقوق محفوظة للكاتب، منقول عن مجموعة المدونين العرب.

هكذا هي اللغات في حقيقة الأمر ، فلم يصنع المدفع ولا البندقية حضارة عاشت على مدار الزمان وليس بالرصاصة ولا القنبلة تنتصر الحضارة وتعيش وتزدهر وليس لأمتنا قومة إلا عندما تهتم بلغتها العربية خاصة عندما تتميز لغتها بتاريخ عريق سطر كلمة كلمة بإبداع وسحر وعظمة وشموخ .

اللغة هي التي صنع بها الإنسان الحضارة وسجل بها تطوره وفكره وتجربته ومشاعره وعواطفه ، وهي الأداة التي تحاور بها وتشارك وتبادل واعطى وأخذ ، هل تستطيع ان تعيش يوما بغير لغة ؟ هل تستطيع ان تعيش حياتك بكاملها دون مدفع ؟ ، انا لا أقلل من اهمية جاهزيتك للدفاع عن أرضك بالسلاح الحي ولكن عليك اولا أن تتعلم كيف تستخدم لغتك لتوحيد صفوفك وبعث روح الأمل والتفاهم على خطة النصر في معركة السلاح الحي ..

إذن عليك أولا محاربة فساد اللغة لتتوصل مع أخوتك لخطة دفاع يكون بها النصر محقق بإذن الله .

فعليك قبل حمل سلاح البندقية أن تقضي على التلاعب بالألفاظ والكلمات والشعارات الرنانة ، وان تجعل للغة مصداقيّة ، وان تحرص على أن لا تفقد كلمات كبيرة في معناها أهميتها من كثرة تكرارها في الشعارات الرنانة مثل ديمقراطية ووحدة ووطن ، هذه الكلمات باتت لا تؤثر فينا من كثرة استعمالها دون وجه حق او معنى حقيقي من قولها وترديدها .

نعم لغتنا من أغنى لغات الأرض وهذا ليس بالجديد ، ولكن اين هو اهتمامنا الحقيقي بها ؟

اسرائيل هذه الدولة الفقيرة جدا جدا إلى التاريخ تعمد على تأسيس دولتها جنبا بجنب مع اللغة العبرية التي لا تنطق بها امة في العالم ، أليس هذا غريبا ؟ لماذا لا يتحدثون الإنجليزية أو العربية ؟ هذا لأن الصهيونية تريد وطن حقيقي وتاريخ حقيقي ولهذا كان لابد لها من استخدام اللغة التي تميزها وتعطيها الحق في الظهور في التاريخ كأمة ووطن وارض وشعب ولن تتحقق المعادلة إلا باللغة .

بريطانيا والإمبراطورية التي غزت العالم ، اليوم يتحدث العالم لغتها ولا يمسكون بمدفاعها ودبابتها التي غزت بها العالم ، كانت تفهم الإمبراطورية ان بانتشار لغتها تحقق إمبراطوريتها وفرض سيطرتها وإيجاد اراض أخرى تنتمي لها .

واين نحن الآن من لغتنا ؟.. يعلموننا بالأنجليزية ؟ .. وتبحث الأسرة للطفل على مدرسة أجنبية ولغة أجنبية منذ الصغر ، هذا في الحقيقة انسلاخ من الحضارة فلن يعود هذا الطفل ينتمي لوطنه أو أرضه أو تاريخه وإن سئل يوما عن شاعره المفضل سيقول شكسبير لا شوقي ، وستتوه عنه الحضارة وسيعيش في أرضه أسيرا .

علينا ان ننتبه قبل فوات الآوان ، والحق أننا لن نتقدم قيد انملة بدراستنا للعلوم بلغات أجنبية عنّا ، انا لا اقول ان نتقوقع على أنفسنا ونزدري العلوم الجديدة باللغات الاجنبية ولكن هنا تبرز أهمية حركة الترجمة لتتعلم الأجيال الصاعدة العلوم بلغة اوطانهم وتفهمها وهي تسلسلها داخل عقولها ضمن تاريخ الامة ، وتبقى روح الامة والوطن على قيد الحياة بتعاقب الأجيال بل وتزدهر .

رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي     وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي
رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني     عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي
وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي     رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي
وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية ً     وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ     وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
أنا البحر في أحشائه الدر كامن     فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني     ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي
فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني     أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي
أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة ً     وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ
أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً     فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكلِمَاتِ
أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ     يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي
ولو تَزْجُرونَ الطَّيرَ يوماً عَلِمتُمُ     بما تحتَه مِنْ عَثْرَة ٍ وشَتاتِ
سقَى اللهُ في بَطْنِ الجزِيرة ِ أَعْظُماً     يَعِزُّ عليها أن تلينَ قَناتِي
حَفِظْنَ وِدادِي في البِلى وحَفِظْتُه     لهُنّ بقلبٍ دائمِ الحَسَراتِ
وفاخَرْتُ أَهلَ الغَرْبِ والشرقُ مُطْرِقٌ     حَياءً بتلكَ الأَعْظُمِ النَّخِراتِ
أرى كلَّ يومٍ بالجَرائِدِ مَزْلَقاً     مِنَ القبرِ يدنينِي بغيرِ أناة ِ
وأسمَعُ للكُتّابِ في مِصرَ ضَجّة ً     فأعلَمُ أنّ الصَّائحِين نُعاتي
أَيهجُرنِي قومِي-عفا الله عنهمُ     إلى لغة ٍ لمْ تتّصلِ برواة ِ
سَرَتْ لُوثَة ُ الافْرَنجِ فيها كمَا سَرَى     لُعابُ الأفاعي في مَسيلِ فُراتِ
فجاءَتْ كثَوْبٍ ضَمَّ سبعين رُقْعة ً     مشكَّلة َ الأَلوانِ مُختلفاتِ
إلى مَعشَرِ الكُتّابِ والجَمعُ حافِلٌ     بَسَطْتُ رجائِي بَعدَ بَسْطِ شَكاتِي
فإمّا حَياة ٌ تبعثُ المَيْتَ في البِلى     وتُنبِتُ في تلك الرُّمُوسِ رُفاتي
وإمّا مَماتٌ لا قيامَة َ بَعدَهُ     مماتٌ لَعَمْرِي لمْ يُقَسْ بمماتِ

11 November, 2008تريئ ألمتار

تريئ ألمتار

الدكتور/ وائل عزيز

عقل ونقل ومسقبل


ليس هناك خطأ مطبعي في العنوان، ولن أدعك مع ظنونك لوقت طويل، فكل من قابلتهم فشلوا في حل اللغز والحصول على الجائزة. “تريئ ألمتار” هو “طريق المطار”.. وقد رأيتها مكتوبة هكذا في إعلان مطبوع عن مطعم لبناني في دبي.

و من المؤكد أن المسألة أكبر من دبي ومن لبنان ومن الطعام… وفي كل بلد عربي أمثلة مشابهة وربما أكثر إيلاماً.. المسألة أن لغتنا التي كانت هويتنا أصبحت عارنا. بمعنى أننا نخجل منها ونهرب ونتوارى وكأنه صار عيباً وإنقاصاُ من قيمتنا أن نتحدث بالعربية، وبمعنى أنها في المقابل تخجل من استخدامنا المشوه لها، الذي يسيء إليها ويحط من قدرها.

أجروا إحصاءاً مؤخراً فوجدوا أن اللغة العربية هي اللغة الرابعة من حيث الانتشار في دبي. الأولى: الأردية، والثانية: الإنجليزية، والثالثة: لغة “فيه معلوم” (وهي خليط من العربية والأردية والإنجليزية والروسية ابتكره المقيمون في دبي للتواصل في المحلات وسيارات الأجرة)، والرابعة: اللغة العربية.

وحسناً فعلت حكومة دبي حين أصدرت قبل عدة أشهر قراراً بجعل جميع المخاطبات الرسمية باللغة العربية… ولك أن تتخيل أنني وأنا موظف في حكومة دبي أكتب وأتلقى أكثر من 80% من مراسلاتي الداخلية والخارجية باللغة الإنجليزية، دون أن أدعي أنا أو من أخاطبهم أننا أصبحنا في الإنجليزية أفضل، ولكنها عادة استمرت على طريقة: “فلا لغتنا تبقى ولا ما نرقع“.

………

وفي معظم الدول العربية، يندر أن تجد إعلاناً عن وظيفة محترمة مكتوباً باللغة العربية، بل وتجد دائماً هذه الجملة المستفزة عن مؤهلات المتقدم للوظيفة (وأنا أترجمها لأنها تنشر في العادة بالإنجليزية): “يجيد الإنجليزية تحدثاُ وكتابة,, ويعتبر التحدث بالعربية ميزة إضافية”… إضافية يا….!!

و مؤخراً وحتى لا تقع الشركات في مشكلة قانونية بسبب التميز بين المرشحين للوظائف، لا تقول الوظيفة: الإعلان خاص بالأجانب فقط، وإنما تشترط: التخرج من جامعة غربية. وقد وجدت إعلاناً في جريدة مصرية يطلب صيدلياً للعمل، ولم يشترط تقديراً معيناً للتخرج من كلية الصيدلة، وإنما اشترط أن يكون الصيدلي حاصلاً على ثانوية إنجليزية.. وقد اطلعت على نتيجة اختبار أجراه مهندس مصري كان يشغل وظيفة مرموقة في احد الدوائر الحكومية بالخليج العربي، ثم أجروا اختبارات لجميع الموظفين لإعادة التقييم، فحصل في اللغة الإنجليزية على مستوى مبتديء، وهو مستوى يعادل مستوى طالب في الصف الثاني الابتدائي. والمعنى أننا خسرنا العربية بحجة أن سوق العمل لا يحتاجها، ولم نكسب الإنجليزية لأننا لم نتعلمها بطريقة صحيحة، ولأنها ليست لغتنا الأم.

…….

قبل أكثر من عشر سنوات كتبت بحثاً مطولاً عن “صناعة البرمجيات العربية”، لعلي أنشر منه هنا فقرات فيما بعد عن مشكلة تعريب العلوم، وخلصت فيه إلى أن المشكلة ليست في اللغة وإنما في المتلاغين… ولا يمر يوم حتى يتأكد لي هذا المعنى..

قبل عدة أيام وقع بين يدي مقالة عن مستشرق أوروبي اسمه دي هامر جمع كل ما قاله العرب عن الجمل وشئونه، فجاء في 5644 لفظاً… فإذا عجلت الناقة للورد (مكان الماء) فهي “الميراد”، وإذا توجهت إلى الماء فهي “القارب”، وإذا كانت في أول الصف فهي “السلوف”، وإذا كانت في وسطه فهي “الدفون”.. وسألت نفسي: لو جمع دي هامر أو عبد الفتاح ما قاله العرب المعاصرون عن الطائرة وشئونها فكم ستكون الحصيلة. راجع ما تقوله موظفات الخدمة الأرضية في المطارات عن إقلاع وهبوط الطائرات، لتعرف حجم عجزنا عن التعبير؟!!

وقد جمع الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط عدداً من مترادفات الأسماء العربية في كتاب طريف أسماه: “الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف”.. وذكر فيه خمسمائة اسم للأسد ومائتي اسم للحية وثمانين اسماً للعسل.

والمسألة ليست مجرد جمع ترادفات مكررة معظمها مما هجره العرب في الاستخدام، وإنما هناك فروق لغوية دقيقة لا يعرفها إلا أهل اللغة والذوق. فمثلاُ: “قعد” غير جلس”، والأفضل أن تستخدم قعد بعد قيام فتقول كان قائماً فقعد، وأن تستخدم جلس بعد اضطجاع فتقول: كان مضطجعاً فجلس. ولولا أن أشق عليكم لحدثتكم عن الفرق بين القلب واللب والفؤاد، وبين راح ومضى وذهب وانطلق، والفرق بين: الوجل والخوف والخشية والرهبة والخشوع والحذر، وكيف أن لكل منها مقاماً في علاقتنا بالله تعالى.

واللفظ العربي – بخلاف الألفاظ في اللغات الأخرى- معجز وهو يعبر بحروفه وطريقة نطقه عن أدق التفاصيل بما فيها المشاعر الإنسانية بما يجعلك متوحداً مع الكون في تناغم فريد… فصوت الإنسان الخفيض أو الخفي قد يكون همساً أو جرساً أو خشفة أو همشة أو وقشة. ولكل منها استخدامه في موضعه الخاص… ومن أجمل ما قرأت عن صوت الماء: أنه إذا جرى فهو خرير، وإذا كان تحت ورق أو قماش فهو قسيب، وإذا دخل في مضيق فهو فقيق، وإذا تردد في الجرة أو الكوز فهو بقبقة، وإذا استخرج شراباً من الآنية فهو قرقرة.

……

وفي مقابل ذلك فإن الترخص والابتذال الذي نجده في اللغة الإنجليزية المعاصرة يكاد يعود بها لتصبح مجرد قعقعة صوتية خالية من المعنى الدلالي كما كانت عليه اللغات في بداية نشأتها، ولعل ذلك يعود إلى أن سرعة إنتاج المصانع للمخترعات الحديثة أسرع بكثير من سرعة المتلاغين عن إيجاد الكلمة المناسبة للتعبير عن المنتج، فلم يتوقفوا أمام ذلك طويلاً. وفي مجال الحاسوب فإن القائمة تطول إذا رغبنا في حصر أمثلة هذا الترخص والابتذال بداية من OKالتي لا تزال تمثل مشكلة لدى المعربين لبرمجيات، وحتى ويندوز وجوجول وياهو ودوت كوم … الخ.

وقد امتد هذا الترخص إلى لغتنا العربية، حتى في مجال الطعام… فعجز أصحاب المطاعم عن وضع أسماء مناسبة لما يقدمونه من تقاليع الطعام والشراب. فقد اطلعت على قائمة المأكولات في هذا المطعم الواقع على “تريء ألمتار”، ثم طلبت من النادلة (الجرسونة يعني) حسب القائمة أمامي: سندونش “فياجرا، وعصير: “كان زمان“.


انقراض اللغة العربية.. بيدنا لا بيد عمرو

دائما لي بعض التحفظات على الكتابة بالعامية أتغاضى أحيانا واكتب بعض المواضيع وأتمسك أحيانا أخرى وأتمنى لو استطعت التحدث بالفصحى بطلاقة وليس بتكلف كما يفعل بعض الأشخاص محاولين إظهار أنفسهم بمظهر المثقفين ناصبين كل الكلمات تقريبا وكأن نصب الكلمة دليل على فصاحة المتكلم مثل ”أتى شخصاً يرتدي حذاءً أبيَضاً”.

والصواب “أتى شخصٌ يرتدي حذاءً أبيضاً”

قد حضرت منذ فترة ندوة للدكتور /أحمد درويش – وكيل كلية دار العلوم بجامعة القاهرة وكنت مستمتعاً جداً وهو يتكلم باللغة العربية الفصحى بطريقه وكأنه لا يتكلم غيرها بدون أي تكلف حتى أنني عندما تكلمت معه بعد المحاضرة كنت متفاجئاً عندما وجدته يكلمني بالعامية وقد كان يتكلم الفصحى بطريقه مريحة جداً تشعر وأنت تسمعها أنك تسمع اللغة العامية المصرية. وقد كان موضوع الندوة من سخرية القدر هو إنقاذ اللغة.

فقد أصدرت منظمة ”اليونسكو منذ سنوات قائمة بحوالي 300 لغة انقرضت تماماً في القرن العشرين وأضافت إليها قائمة باللغات المتوقع انقراضها في القرن الواحد والعشرون وكان من بين اللغات في تلك القائمة اللغة العربية..!

‏ولكن كيف ذلك واللغة العربية تمثل أطول الآداب العالمية عمراً علي الإطلاق‏،‏ فهي اللغة التي يستطيع أبناؤها قراءة خمسة عشر قرنا من الإبداع‏،‏ في حين أن تاريخ اللغات الأخرى لا يزيد علي خمسة قرون؟!!!

إذن الأمر ليس مزاحاً ولا خوفاً بدون مبرر إنما الضرر الذي يقع على اللغة يشعر به الآخرون وينشروه في دراساتهم بينما نحن نائمون في العسل.

ربما لا يكون الفرق بين التكلم بالعامية والتكلم بالفصحى أو الكتابة بها خطير عند البعض ويعتبرون الكتابة بالعامية مجرد قرب من الشباب عن طريق الكتابة باللهجة التي يتحدثون بها ولكن للأسف الموضوع أخطر مما يتخيلون فاللغة هي أساس أي تكوين حضاري وقوة اللغة من قوة الحضارة التي تمتلك تلك اللغة وقبل عام 1920 كان هناك أكثر من 75 لغة تكتب حروفها باللغة العربية ثم أتى الاستعمار الذي يأتي معه مركز للدراسات تبحث في كيفية إعلاء حضارتها على حضارة مستعمراتها لكي تهيمن وتسيطر عليها بشتى الطرق الممكنة.

تلك المراكز البحثية وجدت أن الطريقة الأقوى لفرض هيمنتها على العالم هو بفرض لغتها.

فبدأ المستعمرون في الدول العربية يضعفون منها في أفريقيا مثلا حولوا اللغة السواحيلية التي يتكلم بها قسم كبير من أفريقيا لكي تكتب بحروف لاتينية بالرغم من أن جميع الدراسات أكدت أن كتابة اللغة السواحيلية بحروف غير العربية ستضعف منها كثيرا إلا أن الهدف وقتها لم يكن إضعاف أو تقوية اللغة السواحيلية بقدر ما كان الهدف هو القضاء على اللغة العربية تمهيدا لإضعاف الكيان العربي بالكامل.

وفعلا نحن نعاني من فقدان هوية مزمن الآن قد يتطور إلى كارثة وشيكة إن لم نستيقظ قبل فوات الأوان وقد نالت الحركات المستمرة ضد إضعاف اللغة العربية منها بدرجة كبيرة وأوهنتها ونزعت منها الكثير من المقومات التي من شأنها تقوية أي لغة وتدعيمها مثل استخدامها في دراسة العلوم مثلا، وعن طريق قطع علاقتنا مع التراث ومع ماضينا وكأننا نسينا أن ماضينا هذا الذي نريد أن نبتعد عنه قد كنا فيه على قمة هرم التكوينات الحضارية في العالم.

ومن أهم الحلول التي طرحها الدكتور/أحمد درويش كما سمعتها منه لنهوض اللغة العربية من كبوتها هي الإغفال النسبي لكثير من القواعد الفرعية التي لم تعد تستخدمها العربية المعاصرة والتي تثقل مع ذلك كاهل الدارسين وتنفرهم من تعلم اللغة والإقبال عليها‏، فضلا عن محاولة إيجاد أو استحداث قواعد جديدة تتسم بالمرونة وإدراجها ضمن القواعد الحديثة المكتشفة في مناهج تعليم اللغة‏،‏ دون المساس بالقواعد الرئيسية الجوهرية‏.‏
ومن الأخطاء الشائعة التي كثيرا ما نقع فيها ونحن ندرس اللغة العربية هي أننا نقدمها ككتلة واحدة‏، ذات مستوي واحد صلب وجامدا‏!‏ فالذي نقدمه للفلاح يماثل ما نقدمه للمحاسب والمهندس والطبيب والطالب إلخ‏..‏ وهذا بالطبع خطأ كبير‏..‏ يدعو الدكتور /أحمد درويش هنا كأحد الحلول المقترحة لحل أزمة العربية،‏ إلي فصل مستوياتها رأسيا وأفقيا ‏(درجات ومستويات متعددةـ اختيار المادة اللغوية الملائمة لكل مستوي ـ رسم منهج متدرج يقدم القدر الكافي لكل مستوي ـ مراعاة الفروق بين الاحتياجات اللغوية للمتعلم العام والمتعلم المتخصص‏)‏.

وعلي صعيد آخر يؤكد د. أحمد درويش أن اللغة العربية لغة متطورة وقادرة علي التجديد والدليل علي ذلك هذه اللغة العربية التي نستخدمها في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة ونخاطب بها عامة المثقفين‏..!‏ إنها بالتأكيد لغة مختلفة عن تلك اللغة التي كان يتحدث بها ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب والجاحظ في العصور الماضية وهي مختلفة كذلك عن لغة الجبرتي والطهطاوي والنديم والمنفلوطي والمويلحي في القرون القريبة الماضية‏

نحن نحتاج إلى حملة قومية تتبني فكرة إنقاذ اللغة العربية..

ولعل هناك تجربتين في التاريخ القريب تؤكد فهم العالم الغربي لما أقوله وتمثل نموذجين لابد من دراستهم جيدا، النموذج الفرنسي والنموذج اليهودي. ففي عهد الرئيس ميتران عند الفرنسيون شعور بأن اللغة الفرنسية قد أصبحت مهددة وتعاني من التراجع على الصعيد العالمي مع انحسار الاستعمار المباشر وبسبب ذلك فإن دولة فرنسا قد بدأت تصبح في مصاف الدول ذات المرتبة الثانية في العالم بعد أن كانت فرنسا على مر التاريخ من دول الصف الأول دائما وبدأت تجاهد الحركة الفرانكفونية علي بقاء نفوذ الثقافة الفرنسية في العالم بعد انحلال إمبراطوريتها . فقامت عدة مراكز إستراتيجية بدراسة سبب هذه المشكلة ووصلت إلى أن أحد أسبابها هو ضعف اللغة الفرنسية وقلة انتشارها في العالم بعد هيمنة اللغة الانجليزية. فقاموا بإنشاء مشاريع طويلة الأجل لتقوية اللغة الفرنسية ونشرها في العالم أجمع وبعد سنوات طويلة من هذا ربما ترون بأنفسكم ما الذي وصل إليه الكيان الفرنسي الآن.

النموذج الثاني وهو نموذج أعجبني جدا بصفة خاصة على الرغم من أن فكرته في الأساس كانت للمساعدة على قيام دولة إسرائيل.

وهنا أستعيد عبارة مفكر يهودي قالها في نهاية القرن الـ‏19‏ علي مشارف إعلان الدولة اليهودية‏.‏ قال إليعازر بن يهودا “‏لا حياة لأمة دون لغة‏!‏” وبدأ تنفيذ مشروع استمر‏50‏ عاما تحولت العبرية خلاله من لغة دينية ميتة إلي لغة تدرس من الروضة حتى الدكتوراه في علوم الفضاء‏،‏ فنجت اللغة وتجسدت الأمة‏!‏

قبل قيام دولة إسرائيل كان يهود الدياسبورا (الشتات) يتكلم كل جماعة منهم بلغة الدولة التي يعيش بها ويعتبرها لغته حتى قام المفكرون اليهود وأدركوا انه ما من حضارة بدون لغة ولكي يحيون حضارتهم لا بد من إحياء لغتهم أولا. وبدأت الجماعات اليهودية في نشر اللغة العبرية وسط اليهود بل أن أحد اليهود الذي كانوا مؤمنين بتلك الفكرة قد أجبر عائلته وأطفاله أن يتكلموا بالعبرية داخل المنزل للأبد. والآن بعد نجاحهم في تكوين دولتهم فالجامعات في إسرائيل لغتها الأولى هي العبرية حتى في الأقسام التخصصية الدقيقة مثل الطب.

أما اللغة العربية فهم يجففون علاقتها بالعلم ومستحدثاته حتى نضطر إلى استخدام اللغة الانجليزية في كل شيء وقد أصدرت منظمة الصحة العالية أحد الأبحاث التي ذكر فيها أن الدول التي يدرس الطب فيها بغير لغتها هي الأكثر في زيادة الأمراض فيها لنشوء بعد معرفي كبير بين المتخصص والشخص البسيط لأن علاقة الشخص العادي من عامة الشعب تكون بعيدة كل البعد عن المصطلحات الطبية التي ربما لو كان يفهم بعضها لكان عرف كيفية الوقاية من كثير من الأمراض.

دراسة أخرى أكدت أن الدول التي سجل فيها عدد براءات اختراع أكثر هي الدول التي تدرس العلوم بلغتها.

الأمر إذن لا يخفى على أحد إلا علينا، ولكن نحن نظل نهدم في اللغة وكأننا نكرهها ونتعمد ذلك، في مرحلة نشوء الطفل تجد العائلة تهتم بتعليمه اللغة الانجليزية قبل تعليمة العربية أولا جيدا، ونحن في مصر قد أخطأنا خطأ كبير عندما جعلنا الطفل يدرس اللغة الانجليزية منذ الصف الأول الابتدائي وللأسف يعتقد البعض أو الغالبية أن هذا شيء جيد ولكن في القوانين العالمية تجد أنه من الخطأ احتكاك الطفل بلغة أجنبية عنه في مرحلة مبكرة إنما يجب تأخيرها قليلا كما كانت مثلا في الصف الرابع الابتدائي أو الثالث حتى تكون لغته الأصلية قد ترسخت جيدا بداخله.

إن هذا الخطر ماثل إذا فقدنا التوازن بين وظيفة اللهجة ووظيفة اللغة‏،‏ فاللهجات لها احترامها ولها أهميتها‏،‏ وهي في كثير من الأحيان متفرعة عن اللغة‏،‏ ولكنها تؤدي وظيفة الاتصال العملي ولغة الكلام‏.‏ أما اللغة العربية الفصحى فهي الأم التي تشكل لغة الكتابة‏،‏ وتؤدي وظيفة الاتصال العلمي والفكري والجمالي.

وكما ختم الدكتور أحمد درويش محاضرته العظيمة أقول أنه بينما يسعى اليهود إلي إحياء اللغة العبرية الحديثة من أجل تجمع شتاتهم وبناء دولتهم‏.‏ وتجاهد الحركة الفرانكوفونية علي بقاء نفوذ الثقافة الفرنسية في العالم بعد انحلال إمبراطوريتها السياسية‏،‏ نفرط نحن في لغتنا القومية وندير ظهورنا إلي تراثنا وثقافتنا ومفرداتنا الشرقية العربية ونتطلع إلي الثقافات الغربية والأمريكية علي وجه التحديد باعتبارها من علامات التقدم الحضاري والفكري‏(!)‏
إن ارتباط اللغة بالهوية لهو ارتباط وثيق وقوي، يحفزنا نحو مزيد من الاهتمام بلغتنا العربية والنهوض بها وعلاج مشكلاتها والتصدي للازمات العديدة التي تمر بها‏..‏ فبدونها لن نستطيع أبدا أن نقدم بطاقتنا للآخر‏..‏

ولن نتمكن بعد ذلك من أن نجد لأنفسنا مكانا في خضم حضارات العالم.

المصدر: أحمد المصري

انقراض اللغة العربية .. بيدنا لا بيد عمرو


التحصين الثقافي

الاختلاف بين الأمم أمر ضروري حتمته الطبيعة البشرية والقوانين الاجتماعية التي تتحرك الشعوب في فلكها أفرادا وجماعات …والاختلاف الايجابي يدعو إلى التجديد والإبداع والابتكار ويدفع الحياة الإنسانية إلى التطور والتقدم…ولا يتم ذلك إلا بضوابط لا تخطئها عيون الفاقهين منها الانفتاح المحسوب على الأمم الأخرى أخذا وعطاء دون تذاوب أو اندماج يلغي خصائصنا بحيث نأخذ من الأمم الأخرى ما يروق لعيوننا لا ما يراد لنا أن نراه، وبحيث يكون تعاطينا مع الأمم الأخرى تعاطي من يأخذ منها في يسر ما لا يتحرج منه، وتعاطي من يعطيها شاعرا بالندية…فما بال أمتنا صارت تفكر بطريقة الدخول في جحور الضباب؟!

فحين نتلفت نبحث عن الأمم الأخرى من حولنا نجد كثيرا من الأمم أبقت على خصائصها الثقافية متحصنين بتراثهم وقيمهم وغالبا ما تكون تلك القيم قيم إنسانية فالهند والصين واليابان ما تزال متحصنة ببعض تراثهم رغم قسوة الحملات التغريبية شأنها شأن بلادنا العربية إلا قليلا، وحين ندعو قومنا للمحافظة على تراثهم محافظة بصيرة واعية فإننا لسنا بدعا بين الأمم، وحينما ننفتح على الأمم الأخرى فإننا نرجو أن يكون انفتاحنا محسوب بضوابط دقيقة بحيث نأخذ من الأمم الأخرى ما يروق لعيوننا لا ما يراد لنا أن نراه، وبحيث يكون تعاطينا مع الأمم الأخرى تعاطي من يأخذ منها في يسر ما لا يتحرج منه، وتعاطي من يعطيها شاعرا بالندية كما ذكرنا آنفا.

وحين نتلفت ننظر ما أصاب أمتنا نجد عجبا ويكفي أن نلقى نظرة لأحوالنا الداخلية في مصر على سبيل المثال سوف نجد أخلاطا لا رابط بينها ففي مصر كما يقول توفيق الحكيم تعليم أجنبي وحكومي وأزهري ودرعمي وجامعي وخارجي، ولدينا أحياء أوربية وأحياء وطنية وأحياء مختلطة ولدينا مطربشون ومعممون وحفاة ومحتذون ومقبقبون ولابسو الزى الإفرنجي والزى البلدي والزى المختلط أي طربوش ومعطف وجلباب أو طاقية وبيجامة وقبقاب …كل هذا الخلط في الأوضاع والتعليم والتربية والإطار الذي يعيش داخله الناس في بلادنا جعل لهم بالضرورة عقليات مختلفة كل عقلية تفكر تفكيرا خاصا وترى الدنيا من زاوية منفردة.

صرنا نجتهد في التشبه بالغرب تشبها أعمى لا بصيرا ويا ليت قومي تشبهوا بهم في الإبداع والابتكار وفي كسب الدنيا وفي اكتساب المعارف والعلوم وفي تحصيل أسباب التكنولوجيا إلا أنهم تفننوا في تقليد الغرب في كل شيء سوى ذلك وصاروا يتتبعون سنن الغرب حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلوه عن عمى وتقليد غبي ومما يغيظ النفس أن ترى بعضهم يرى التقدم في الشكل لا المضمون ويرى الأخذ عن الغرب في المظاهر لا في التكنولوجيا والمعارف!!

وفي هذا الصدد نتفهم تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لنا من هذا السير حين قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك ؟ رواه البخاري.

مقترحات لتفعيل التحصين الثقافي

وقد يقول قائل: حسنا، قد علمنا فماذا نفعل؟ وهو تساؤل واع نرجو له جوابا عمليا تتصدر المشهد فيه أمتنا بمجموع مفكريها المخلصين لا أدعياء التفكير البلهاء وهم للأسف كثر في مياديننا الإعلامية، وهذى مقترحات عساها تسهم في تحصين ثقافي ايجابي مستمر:

1 دراسة الخطاب الإلهي كما هو في منابعه الصافية وأقصد بذلك الوحي القرآني في التعرف على معرفة تاريخ الحضارات وأسباب قيامها وسقوطها والتعرف على أسباب نهضتها…وفي هذا الصدد نتفهم قوله تعالى {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ{ الأنعام11، وقوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}النمل69، وقوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {العنكبوت20

2 إنشاء فرع من فروع الثقافة الإسلامية يسمى مرحليا بفقه السنن الحضارية، يهتم بدراسة الخصائص المكينة لأمتنا، سواء الخصائص النفسية أو الحضارية أو الثقافية أو الاجتماعية… وههنا دور للمفكرين بتزويد مكتبتنا العربية بمثل هذه الدراسات وتجميعها في مؤلف واحد تفيد منه الأجيال القادمة.

3 إنشاء مراكز للبحوث والمعلومات على غرار المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية بحيث تهدف إلى جمع المعلومات وإجراء البحوث فيما يتعلق بدراسة الظواهر الطارئة على مجتمعاتنا وتقدير مكاسبها ومضارها، وتحديد المصطلحات الحضارية المستحدثة وتوحيدها بحيث يسهل دراستها والبحث عن بدائلها في تراثنا وتفعيل ذلك حتى تصير مرتكزا من مرتكزات المنظومة المعرفية التي يفيد منها المربون والمعلمون والاجتماعيون والأكاديميون كل في ميدانه وتخصصه.

4 حصر أهم القيم الإنسانية (كالحرية واحترام حقوق الإنسان والعدل والتسامح…وغير ذلك) وتوريث تلك القيم لأجيالنا الحالية والقادمة عبر وسائل فعالة كمناهج التعليم مثلا بحيث تتعدد ميادينها من الأسرة إلى المسجد إلى النادي إلى المدرسة ووسائط الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة

5 الحفاظ على لغتنا العربية وحمايتها من حملات التغريب المتعمدة عبر وسائل يعرفها المتخصصون نذكر ههنا بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر:

في الجانب التشريعي والقانوني نوصى بتجريم أي استخدام للغات الأخرى في حياتنا العامة سواء المهنية أو الإنتاجية كتجريم استخدام الأسماء الأجنبية وبكتابة أجنبية عند إنشاء مصانع أو محلات تجارية

وفي الجانب التعليمي نوصى بتدريس العلوم باللغة العربية وتعريب بقية العلوم التي ما تزال تدرس بلغة أجنبية مع قيام الفاقهين بتعريب تلك العلوم من الآن وليس مستقبلا فضلا عن توجيه عناية المدرسين بالمدارس والجامعات على ضبط اللسان عند الشرح والتدريس باللغة العربية السليمة، والعمل على تصدير برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها بطريق سهلة وشائقة

وفي الجانب الإعلامي نوصى بالتزام الحديث بالفصحى السهلة دون تقعر في الصحافة المحترمة والإعلام المرئي والمسموع وحظر استخدام العامية

وفي الجانب الإنتاجي وأقصد به الإنتاج المادي والاقتصادي باستحداث منتجات صناعية ذات أسماء عربية سهلة ومعبرة لا سيما الإنتاج التقني فلقد أحيت الصين واليابان والكيان الصهيوني لغاتهم بإنتاجهم المادي …ولعمري إن هذا هو الجانب الأهم.

وفي الجانب الأدبي والإبداعي ونقصد به التأليف والإبداع القصصي والشعري والفني بصفة عامة للفت أنظار العالم إلى لغتنا الجميلة وتصدير ذلك للعالم أجمعين…ونريد لذلك الإبداع أن يكون بلساننا نحن بقيمنا نحن بثوبنا نحن بتاريخنا وإرهاصاته الخاصة بنا بمعاييرنا الشرقية لا بمعايير الغرب بعيوننا نحن لا بعيون الغرب…ألا إنه لا قيمة لنا حين نتحدث بالعربية ولا نفكر إلا بعقول غربية!!

وكم نرجو لهذا الإنتاج أن يكون معبرا عنا بلغتنا ومفرداتنا بعيدا عن مصطلحات الغرب وعقوله والمسألة ليست اعتسافا وفرض العربية بالقوة لكنها محاولة بصيرة لوضع الأمر في نصابه وفي مكانه بعقل يقظ ومرن يصحبه وجدان وتقدير بصير لمكانة هذه اللغة ودورها في الحفاظ على الهوية والتعبير عن ذاتنا تواصلا مع الآخرين من منطلق هانحن ذا وليس التقليد والتفكير بعقول الآخرين.

6 فضح أذناب الاستخراب المسمى كذبا الاستعمار أولئك الذين يشيعون أن ما تعلموه هو معيار عام لكل إنجاز حضاري يصلح لكل أمة مهما كانت عقيدتها ومعادلتها الاجتماعية وتبيان أن أولئك الأذناب مهزومون نفسيا وداخليا بتبعيتهم للغرب، وعماهم عن رؤية ما هو نافع وجميل من تراثنا، أولئك الذين نرى أقلامهم ونسمع – كارهين – حناجرهم حين تصيب أمتنا نصرا بالتهوين من نصرنا، وحين تصيب أمتنا كبوة بإعلاء قيم بني صهيون علينا…والمعركة ههنا ليست يسيرة فأولئك تفتح لهم المنابر، وما يزالون يتبوءون مراكز قيادية في منابر إعلامية متعددة…ونحذر ألا تستغرقنا المواقف الدفاعية في معركتنا الثقافية مع هؤلاء فيصير كل جهدنا في الرد على شبهاتهم دون وعي بآلية الصراع، والتحكم بإدارته، فنتحول من أن نكون أحد أطراف الحوار المستخدمين لأدواته إلى أداة للحوار وميدان له، ونخضع لتحكم الآخر بتفكيرنا، ونشاطنا، بحيث يصبح الزمام بيده، فيكفي أن يلقي إلينا بالتهم التي يريد ويحدد الزمان الذي يختار، ومكان المعركة التي تناسبه، ونحن ما علينا إلا رد الفعل، والاستجابة المرسومة مسبقاً، وبذلك يتحكم بساحة تفكيرنا، وبنوع نشاطنا، ومجال فعلنا، ويفقدنا زمام المبادرة، وتصير حياتنا، رد فعل عفوي بعيداً عن الفعل المختار على حد قول د/ عمر عبيد حسنة

7 التحول إلى الهجوم على الذين يحاربون قيمنا وتراثنا مرة باسم الإرهاب، وأخرى باسم الأصولية دون انفعال بغيض ينسينا هدفنا من إدارة الصراع لتحصين ثقافتنا وتراثنا وقيمنا مع محاولة إبراز قيمنا الإنسانية الجميلة ومدى مواءمتها للاستقرار في الأرض.

8 تشجيع أبنائنا ومعارفنا وطلابنا على دراسة العلوم التطبيقية، والإنسانية لخدمة تراثنا وقيمنا وأمتنا وترسيخ قيمة حاجة الأمة إلى مثل هذه العلوم للبناء والنهوض.

9 تبيان موقف الساسة الغربيين من القيم الإنسانية حين تتعلق بنا فهي قيم تكيل بمكيالين وهاهو موقفهم من حكومة حماس المنتخبة، وهاهو موقفهم من علمائنا في بلادهم إذا أرادوا أن يفيدوا بعلمهم بني قومهم، ويعجبني قول د/ عمر عبيد حسنة إن اليد التي تمنح المسلم الحرية هناك، هي اليد نفسها التي تمنعها هنا، ليتم الاستقطاب، والتحكم من جانب، ولإعطاء دليل عملي واقعي على أن حضارة الغرب بعطائها تتميز عن حضارة المسلمين فتهفو النفوس إليها وتهاجر الأجنة إلى بلادها.

سيد يوسف

معاني إنسانية


مدونة لغتي هويتي من انتاج تدوين نت، الحياة في مدونات.