الامبراطور و القاتل

بقلم السيد طه

في العام 221 قبل الميلاد و بعد سنوات من الحرب الأهلية بين مئات الممالك, انبثقت سبع ولايات هيمنت على حكم الصين, كانت ولاية قن هي الاكثر طموحاً بينهم و كانت تحت حكم الملك ينج شن, مدفوعاً بوصية الآباء اعتبر الملك ينج أن توحيد الصين هي حربه المقدسة.

يبدأ الفلم بمشهد لصب المعدن المصهور في قالب صخري لسيف, ثم اظلام لبرهة قصيرة يتلوه لوحة فنية لجنود في معركة و اسم الفلم يتكون على الشاشة, في الخلفية الموسيقى المميزة للفلم, في صوتها الحيرة و التساؤل و الحنين, و حزن خفي ينبثق من نغماتها, خزن خفي من الصعب الامساك به, ثم اظلام قصير و من قلب الظلمة المتلاشية ينبعث صوت الملك العجوز زاعقاً بأعلى ما يستطيع من جهد:

-الملك ينج شن, هل نسيت أوامر أجداد قن لتوحيد كل ما تحت السماء؟

الملك, أو من سيصبح ملكاً بعد قليل في مقدمة المشهد, و قد اكتست ملامح وجهه بالحيرة, يرد بكل قسوة مخافة أن تتسلل الحيرة و التردد الى روحه:

- لا, أبداً, لا يجرؤ ينج شن على ذلك.

ينهار الملك العجوز على سريره مفارقا الحياة, بينما التفافة ينج الزائغة لجثته تدوم للحظة, ليستدير بعدها مغادرا الحجرة, و قبل أن يغادرها يصيح فيه حكيم الدولة:

- الملك ينج شن, هل نسيت أوامر آبائك بتوحيد كل ما تحت السماء؟

و بصوت عميق و بنفس نظرة الزيغ و قد بدأت سحب التصميم تطرد آثاره:

- لا, ينج زن لم ينس أبداً, و لا للحظة.

هذا الفلم عن أول امبراطور للصين, و عن البطل الذي حاول قتله بخنجر مخبأ دخل خريطة, و عن رئيس وزراء قن لو بوي صاحب التاريخ الموسوعي القديم للصين يوميات الربيع و الخريف, و عن ام الامبراطور و أولادها الغير شرعيين و من ضمنهم الامبراطور ذاته, الفلم ذو طبيعة ملحمية و يقترب كثيراً و بدقة غريبة من الأحداث الحقيقة لفترة الولايات المتحاربة في الصين, و هو يحكي قصة الامبراطور ينج شن و حلمه لتوحيد الصين تحت حكم ملك واحد, فينعم الناس بالرخاء و الأمان بعد أن تشتت الصين الى ممالك عدة لم يعد لها من هدف موحد الا أطماع و نزوات حكامها الأفراد. فحينما كان أمير يان أسيراً عنده, و هاج على آسريه و رفع السيف على ينج شن, نظر الامبراطور اليه بكل هدوء و قال له:

- حتى لو قتلتني, سيكمل أحدهم الوحدة, ان لم يكن أنا, لربما كنت أنت, بعد 550 عاماً ماذا جنينا من مئات الممالك؟

و يكرر نفس القول في وجه رسامي خريطة الصين الموحدة بعد أن علم أنهم من ولاية هان و هو على وشك تدميرها:

-هان ستختفي, لكن سيحل محلها مملكة عظيمة.

و سيعيد التساؤل على قاتله و هو غارق في دمائه و يضحك غير عابيء بجراحه العديدة:

-لم تضحك؟ لم تريد قتلي؟ ألا تعلم بما أريد فعله؟ أنا أريد تأسيس امبراطورية عظيمة.

لكن قاتله يخبره أن الجنرال فان يبلغه رسالة أخيرة, أنه لم يبح بسره لمخلوق.

هذا السر الذي اكتشفه و هو يحاكم عشيق أمه, الماركيز, و اضطره للجوء لمقبرة الأجداد, ليسأل رئيس الوزراء لو بوي مستجديا اياه التصريح:

-رئيس الوزراء, اخبر العالم انني لست ابنك؟

- اقتلني و سيعلم العالم كله أنك لست ابني.

لكن رئيس الوزاء ينهي حياته بيده, و يصدر الامبراطور و هو في قمة مأساته الشخصية أمراً بإعلان رئيس الوزراء خائناً للدولة, و أن يقتل كل أهله و أولاده. كان قد تأكد لحظتها أنه ابن رئيس الوزراء.

ينتهي الفلم بهذه العبارة:

في العام 221 قبل الميلاد, غزا ملك قن كل الممالك ليصبح أول امبراطور للصين الموحدة, لم يدم نجاحه طويلا حيث دامت اسرة قن لمدة 15 عاماً ثم تغلبت عليها اسرة هان, لا يزال قبره في خيان محروساً بآلاف من محاربي التيراكوتا.

فاز الفلم بجائزتين و رشح لثمان اخرى.

التعليقات: 0 | الزيارات: 92 زيارة | التاريخ: 2010/06/19

إم

بقلم السيد طه

إن لم تكن تملك قصة جيدة, فمن الصعب جداً أن تصنع فيلماً جيداً, و إذا لم يكن حكيك جيداً للقصة, فمن الصعب أن تمتع المشاهد بما يرى, الفلم السينمائي في نهاية المطاف هو تطور طبيعى لفن الرواية, و إن كانت الرواية المكتوبة تجسيد للأفكار و المشاعر على صفحات الورق, فإن الفلم ينقل الورق و المكتوب فيه الى حيز المرئي و شبه الملموس, و لكن في حين أن الرواية هو جهد فردي, فإن الفلم يختلف في أنه مجهود جماعي و يحتاج لكثير من التنظيم و التخطيط و الإدارة.

فلم إم (M) انتج عام 1931, و هو من إخراج أحد رواد فن السينما, المخرج الألماني فرتز لانج صاحب تحفة متروبوليس و تحف بصرية أخرى عديدة. فلم إم يمتاز بقصة جيدة, و حكي جيد و توظيف جيد لأدوات الحكي (ممثلين و موسيقى و أماكن تصوير … الخ) و سيناريو قوي واضح فيه الإستفادة من تجارب عديدة سابقة له أو لمخرجين آخرين, و ابتكار في الحكي.

الفلم يدور حول جرائم خطف و قتل أطفال غامضة, يعتقد الجميع أن ورائها شخص واحد, في الواقع هذا الشخص يبعث برسائل عديدة للصحافة تسرب واحد منها على غير رغبة رجال الأمن. تتسبب تلك الجرائم في تعكير صفو الأمن في برلين و صفو المجرمين و الشحاذين على وجه الخصوص, فالإجراءات غير العادية للأمن جعلت كلا من الشحاذة و اللصوصية مهن صعبة في ظل تلك الأجواء.

يبدأ الفلم بمشهد عام لأطفال يلعبون في ساحة احدى الدور و يغنون أغنية حول قاتل أطفال, فتظهر في احدى الشرفات بالأعلى أم تنهرهم و تطلب منهم الكف عن غناء تلك الأغنية البشعة, الأم قلقة لتأخر طفلتها في العودة من المدرسة, نفس الوقت ينتقل المشهد ليصور الطفلة و هي تسير في الشارع عائدة و تكاد تصدمها سيارة لكنها تنجو, تستمر بالسير تلهو بكرة معها, و في مشهد معبر تضرب بالكرة إعلانا منشورا بمكافأة لمن يدلي بمعلومات حول القاتل, في حين تضرب الكرة الإعلان يظهر ظل القاتل على الإعلان ناظراً للطفلة.

يأخذ السفاح و هو يصفر بلحن موسيقي شهير الطفلة لأحد باعة البالونات و يشتري لها بالونة و يصطحبها لأحد المنازل, في أثناء كل هذه الأحداث يبقيك المخرج على حالة الأم و هي تعد الطعام و هي تغسل الملابس و هي تنتظر الطفلة  و هي تنظر للساعة, … الخ في حكي موازي مشوق, و توظيف للبيئة المحيطة لإبراز حالة القلق و الحيرة داخل الأم, فمشهد كالسلم الدائر للأسفل أشعرني بحالة دوران الأفكار قلقا على الطفلة.

أداء للممثلة صاحبة دور الأم أكثر من رائع, تعبيرات الوجه, الملابس, حركات اليدين, الرأس, نظرة العينين, حركات الشفاه, أداء يبرز الجهد المبذول في إنتقاء عناصر الحكي بصورة جيدة, فالمشاهد لا يبذل جهاً لإقناع ذاته أن تلك أم حقيقة, و أن جزعها و قلقها هو قلق حقيقي, و الإختيار الجيد لعناصر الحكي و بخاصة الممثلين سيتكرر في كل الأعمال السينمائية ذات القيمة على إختلاف لغاتها, و أزمنتها.

تتصاعد الأحداث بشكل مرتب, في حين يسير المخرج بك بطبقات المجتمع المختلفة و جهود الأمن لإحكام الخناق حول المجرم, تجد نفسك و قد تعرفت على جهات عدة و شخصيات عدة في هذا المجتمع البرليني, من ادوات البوليس و عناصره, للحانات, لرواد النوادي الراقية, للصحافيين, حتى يتنهي تجوال المخرج بك عند اللصوص, فبسبب تلك الإجراءات بلغ بهم السخط مبلغاً على ذاك اللص جعل معه القبض عليه و الإنتهاء منه هدفهم الأول, يبغون بذلك إنهاء تلك الإجراءات الإستثنائية في المدينة, و بعدمقارنة ثنائية جمبلة لإجتماعهم مع إجتماع الأمن, يقرر زعيم اللصوص أن الوقت قد حان للقيام بتلك المهمة, و أن خير من يساعدهم هو نقابة الشخاذين, فتنتقل بك الكاميرا لمجتمع الشحاذين و تتعرف على وجه آخر للمدينة.

الجميع الآن يطارد السفاح, الأمن, اللصوص , و الشحاذون, لكن كيف الوصول اليه, ففي حين انتهى إجتماع الأمن الى أن المجرم لابد و أن يكون مريضاً نفسياً, يتفق اللصوص مع الشحاذين على إبلاغهم حال رؤيتهم لشخص بالغ مريب مع فتاة صغيرة, و في حين يحصل الأمن على قائمة بأصحاب الأمراض النفسية ممن أطلق سراحهم, يوزع زعيم الشحاذين المناطق و الميادين على رجاله لمراقبتها بدقة, و هكذا تبدأ المطاردة بالتوازي.

يصل أحد عناصر الأمن لبيت أحد المشتبه بهم, ينتظره في غرفة الجلوس لحين عودته, نفس الوقت يتفحص غرفته, يتفحص الطاولة ليرى إن كان عليها أي آثار كتابة, لا يجد, يفكر جيداً و يبحث في جوانب الغرفة عن منطقة محتملة للكتابة عليها, يتفحص إفريز النافذة, بالفعل وجد شيئاً مريباً هناك, ربما هذا الرجل هو بغيته.

السفاح بالشارع مع فتاة أخرى, يصفر نفس اللحن المميز, يتعرف الأعمي على الصوت, ينادي احدى الشحاذين و يطلب منه تتبعه, يجري ورائه من مكان لآخر, ثم في النهاية يقرر أن يميز بدلته بعلامة مميزة ليسهل نقل الوصف للشحاذين بالمناطق الأخري, فيكتب على جرف إم بالجير, و يضربه على ظهره بيده, ليطبع الجرف على ظهر البذلة.

تسمر المطاردة و السفاح لايدري, الى أن تنبهه الطفلة أن هناك شئاً ما على ظهره, ينتبه لأول مرة لما يدور حوله و يحاول الهرب, الى أن يتم حصاره في احدى الشوارع.

فيلجأ السفاح لاحدى المباني مختبئاً فيه, فيخبر الشحاذون اللصوص بالأمر و الموقع, و هنا يتولى اللصوص القيادة مقتحمين المبنى و مسيطرين عليه بمهنية و كفاءة, فيحاصرو السفاح في احدى الغرف.

يضطر اللصوص للهرب بسرعة و معهم السفاح, بعد نجاح أحد الحراس في دق جرس الانذار, ينصرف الجميع و ينسوا أحد اللصوص في احدى الغرف, يقبض عليه الأمن و منه تعرف القصة الغريبة.

نفس الوقت يعقد اللصوص و الشحاذون محكمة كاملة الأركان بهيئة دفاع عن السفاح, استكمالا للشكل الإجرائي, و يترافع السفاح المذعور عن نفسه في أداء يميل بشكل كبير للأداء المسرحي التعبيري, و إن كان الحوار في هذا المشهد يتميز باللغة العميقة المنتقاة بحرص, وهو ماعوض الى حد ما تلك المبالغة الزائدة في التعبير.

في النهاية يصل الأمن ليسيطر على الموقف, و ينتهي الفلم بمشهد للمحكمة و هي تبدأ القول في الحكم, لينتقل المشهد الى الأمهات الثكالى و أم الطفلة التي ظهرت في بداية الفلم و هو تقول ان هذا لن يرجع الأطفال.

يمكنك مشاهدة الفلم بالكامل بترجمة إنجليزية على موقع أرشيف.

التعليقات: 0 | الزيارات: 165 زيارة | التاريخ: 2010/02/20

ماذا تعني “سينما إسلامية إلا خمسة”؟

بقلم محمد الهامي

في ظل غياب الرؤية الإسلامية للحد الأدنى من القدر الواجب توفره عن “الفن الإسلامي” (وأقصد به هنا تحديدا السينما والمسرح والدراما التليفزيونية)، ليس ممكنا أن يتصدى مثلي لمحاولة وضع ضوابط محددة من أي نوع تساهم في تحديد “الفن الإسلامي”.

ولكن ما بدأناه في المقال السابق عن وجود فعلي لـ “سينما إسلامية إلا خمسة“، يجعل من الضروري أن نحدد ما هي هذه السينما التي وضعنا لها اسم “إسلامية إلا خمسة”.

يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري –رحمه الله- أن مبدأ “الفن للفن” أو “الأدب للأدب” هو من تجليات وآثار وتطبيقات “العلمانية الشاملة”، تلك العلمانية التي تنفي وجود الإله أو سيطرته وتدخله في الحياة تنسف –بشكل تلقائي- وجود مرجعية أخلاقية أو قيمية يُنظر للعمل الفني أو الأدبي من خلالها، وبالتالي يتم تقييمه بناء عليها، هل هو جيد أم سيء؟ ضار أم نافع؟

وهذا كلام لا أحسب أحدا يعترض عليه، وهو توصيف دقيق للأساس الفكري الذي أنتج أعمالا عبثية وتدميرية بل ومثيرة للاشمئزاز والقرف، وكان الشعار المرفوع هو “الفن للفن” و”الأدب للأدب” و “لايجوز الحكم على العمل الفني بمعيار غير فني (ديني أو أخلاقي أو غيره).. وأمثال هذه العناوين.

وكنت قد كتبت من قبل أن أقرأ للمسيري، عن وجهة نظر أخرى في شعار “الفن للفن” و”الأدب للأدب”، وهي وجهة تنطلق –فيما أرى- من أرضية إسلامية خالصة، لا علاقة لها بالمسار الفكري للفلسفة الغربية التي أنتجت هذه المبادئ العلمانية.

وخلاصتها، أن الفن أو الأدب لا يجب أن يحمل “قيمة إسلامية” لكي يكون فنا إسلاميا أو أدبا إسلاميا، بل يمكن أن يحمل هذه الصفة ما دام هذا الفن أو الأدب يتحلى بصفة “الجمال” ولا يتصادم مع المحرمات الشرعية اليقينة.

بمعنى أن القصة أو القصيدة لو أبدعت في وصف النحلة أو الفراشة وفقط، فهي بهذا فن إسلامي، بمعنى أن الإسلام يقبله ولا يرفضه، حتى لو لم تختم القصة أو القصيدة بعبارة “فتبارك الله أحسن الخالقين” أو “هذا خلق الله”. صحيح أن خاتمتها لو كانت على هذه الشاكلة فهو فن إسلامي وأدب إسلامي واضح، ولكن الذي نناقشه هنا هو ما لو كان الجمال وحده هو السمت البارز للعمل الفني من دون أن يشير صراحة إلى قيمة إسلامية أو خلقية.

فالفن الإسلامي –فيما أرى- هو الفن الذي لا يحتوي على محرم، وليس شرطا لأن يتصف بالإسلامية أن يحتوي على قيمة وعظية واضحة.

وبناء على هذا، فيمكن أن نتقبل جدا أن يكون “الفن للفن”.. “الفن للمتعة”.. “الفن للجمال”.. بل وأن نتبناه ونسعى لإنتاجه ونستمتع به، سواء صدر من المسلمين أو من غيرهم، طالما أنه –لمرة أخرى- لا يصطدم بمحرمات إسلامية.

لأن الجمال نفسه قيمة إنسانية، بل وقيمة إلهية موجودة في خلق الله، بل إن مخلوقات الله تعالى لا تؤدي وظيفتها فحسب، وإنما تؤديها بجمال. (انظر: التربية بالجمال)

***

وعلى هذا التصور، يصبح ما نتحدث عنه من سينما “إسلامية إلا خمسة” يعني الآتي:

  1. أن العمل الفني جميلا بطبيعته، وهو في صلبه لا يعارض القيم الإنسانية.. فهو بهذا “عمل إسلامي”.
  2. أنه عَبَّر عن هذا الجمال بأسلوب فيه تصادم بالمحرمات الإسلامية، سواء على مستوى النص أو على مستوى الصورة.
  3. أن هذا التصادم مع المحرمات الإسلامية يسير، فهو لا يستغرق العمل الفني كله أو أغلبه، وليس من صلبه، ويمكن ببعض الجهد تصحيحه ليصير إسلاميا خالصا.

***

المطلع على تاريخ العلوم يعلم، أن العلم يوجد أولا، ثم يُدون ويكتب، ثم يقسم ويصنف، وتوضع له المعايير والضوابط، ثم يتوسع. وأزعم أن هذا التعريف لايشذ عن هذا.

فالأفلام التي أسميها “إسلامية إلا خمسة” هي أفلام جميلة في جوهرها، بل ومفيدة ونافعة، غير أن ما اعتراها من مشكلات يسيرة تجعلها “إلا خمسة” ناتج عن ظروف كثيرة، منها درجة إلمام صانعي هذه الأفلام بالإسلام، أو جرأتهم على تحدي الوضع الحالي لسوق السينما الذي يوصف بأنه لابد لكل فيلم من “بهارات = مشاهد مخلة، أو تلميحات فاحشة”، أو قناعتهم أصلا بإمكانية أن يوجد فيلم إسلامي منضبط يحقق نجاحا جماهيريا. أو غير هذا من الأسباب.

وبناء على هذا المفهوم، فإني أرى أن أفلام الإثارة الحركية كلها تعد إسلامية، كذلك أفلام الخيال العلمي مالم تتعرض لمبدأ الخليقة ومبدأ ما بعد الموت بشكل يصادم الرؤية الإسلامية، وكذلك الأفلام العلمية والاجتماعية. فحيث أن الإسلام نزل شاملا لكل جوانب الحياة فنستطيع أن نقول -من زاوية أخرى- إن الحياة كلها هي الإسلام، فيما عدا تلك التشوهات التي لا تتفق معه.

***

ذلك هو –باختصار- مفهوم الأفلام التي نتعرض لها في هذه السلسة، الأفلام الإسلامية .. إلا خمسة.

التعليقات: 3 | الزيارات: 358 زيارة | التاريخ: 2010/02/15

طوكيو!

بقلم السيد طه

ثلاث قطع سينمائية مختلفة تدور أحداثها حميعاً في طوكيو, يخرجها ثلاثة مخرجين من مدارس سينمائية مختلفة, القطعة الأولى بعنوان تصميم داخلي من إخراج ميتشل جوندري و تدور بشكل عام حول فكرة الإستقلالية و كيف أن الإنسان لو استمر في التخلي عن أحلامه و تصوراته لصالح الآخرين سيصبح في النهاية مجرد شئ في حياتهم, شئ لا يختلف كثيرا عن كرسي أو مقعد, و القطعة الثالثة بعنوان زلزلة طوكيو من إخراج جون هو بونج و تدور بشكل عام حول الوحدة و الفراغ و إعادة اكتشاف النفس, و هي برأيي أجمل القطع في الفلم بصرياً و إخراجاً.

أما القطعة الثانية فهي التي شدت انتباهي بالكامل, القطعة بعنوان ميردي و تعني بالفرنسية خراء, و هي للمخرج ليو كاراكس, و هي تدور حول الكائن الإسطوري ميردي و الذي يتخذ من مجاري طوكيو سكناَ له, و يعتقد أنه آخر سلالته, أو من القلة النادرة الباقية الموجودة, و يتكلم لغة خاصة, و يحب أكل الزهور و النقود و يكره الأبرياء بشكل خاص و الناس بشكل عام.

و كما ترون بالصورة ميردي لحظة خروجه المبهرة من بالوعة المجاري, و هو يعشق اللون الأخضر, لكن كيف جاء ميردي الى طوكيو؟, لا يخبرك الفلم بهذا, لكن بالفلم إشارة سريعة عن أنه ربما يكون مهاجراً غير شرعياً للبلاد.

افتتاحية هذا المقطع سريعة و مثيرة, الخلفية موسيقى كلاسيكية و الكاميرا تتحرك بسرعة وسط الشارع, الكاميرا منخفضة لتعطيك احساساً بحركة ميردي و هو يمارس هوايته في شوارع طوكيو, افتتاحية حية و مليئة بالإنفعالات, تشد الإنتباه و تثير الحماسة للمتابعة.

ميردي بعد أن رمي بعقب سيجارة سرقها على عربة طفل رضيع و الأم تنظر له بدهشة و غضب و خوف.

ميردي و هو يختتم جولته بالعودة من جديد للمجاري, و نرى حرصه الشديد على جماليات نزوله للمجاري, و التأكد من شاعرية المنظر.

ميردي يتجول بين ضحاياه على أحد سلالم الكباري, بعد أن رمي على المارة أشياءاً وجدها في أحد قنوات المجاري وسط مخلفات الحرب العالمية الثانية.

الجميع بإنتظار المحامي الفرنسي المشهور و القادر على التخاطب بنفس لغة ميردي, و للعجب له نفس اللحية و نفس العين.

المحامي الفرنسي المشهور في المطار لحظة وصوله, يعطي للصحافيين لمحات جمالية و يبدو واضحاً حبه للون الأخضر و الشاعرية كميردي.

محاولات مستميتة من المحامي للتفاهم مع ميردي المقيد.

أخيراً استجاب ميردي و بدأ الحديث مع المحامي, و المحامي غير مصدق لنجاحه.

جلسة المحاكمة التاريخية حيث أعرب ميردي عن حبه للحياة و لنفسه و كرهه للأبرياء و للناس عامة.

لحظة الإعدام الأسطورية, و نرى ميردي هنا بعد إعدامه و هو يهرش في فخذه.

هذه القطعة بالذات أثارت حيرتي, فلقد استمتعت بها و أضحكتني في مواضع عدة, لكن كان دوما الإستمتاع مصحوباً برغبة في أن أفهم ما يقصده المخرج بهذه الشخصية و تلك الأحداث, لكن هل من الضروري أن نفهم كل ما نستمتع به؟ و لو فشلنا في الفهم , هل نأول ما نرى و نبدأ في تجربة فك الرموز؟ برأيي الشخصي الرموز كثيرة في تلك القطعة, و لعل هذا جزء من سحر التناول, فالرموز هنا تلقائية و بسيطة و غير مقحمة, و تتسق مع الشكل العام للأحداث, و هو ما يغري دوماً بالتأويل.

الفلم حصد ثلاث جوائز و رشح لأخرى.

التعليقات: 0 | الزيارات: 304 زيارة | التاريخ: 2010/01/24

The Blind Side الانتماء في شكلٍ آخر

بقلم asma

تعززت لديّ فكرة أنّك حين تقرأ عن أمرٍ ما كثيراً و تبحث عنه؛ تجد الكثير من الأمور حولك قد تعزز ذات الرأي الذي تعتقد أو تحاول تحوير الحدث وِفق ما تفكّر فيه. شاهدت فيلم TheBlind Side و الذي يتحدّث عن لاعب كرة القدم الأمريكية Micheal Oher. يستنِد الفيلم إلى كتاب صدر عام 2006م بعنوان: The Blind Side: Evolution of a Game والذي تناول قصة Micheal Oher المميزة، حيث كان ضمن خطّ الهجوم و يلعب لفريقي بلتيمور رافينس التابع لاتحاد كرة القدم الوطنية. يحكي الفيلم قصة Micheal Oher من تربيته الفقيرة خلال سنوات عمله في مدرسة وينجيت المسيحية وحتى تبنّيه من قبل Sean و Leigh Anne Tuohy. كان Micheal Oher  واحدا من أهم غايات ومطامع كثير من فرق كرة القدم.

السيناريو مليء بالدراما و المشاعر الإنسانية ؛ باليُتم و التشرّد الذي يعيشه Micheal Oher و الغربة التي يشعر بها وسط مجتمعٍ أبيض يحتقر الأمريكان الأفريقيين “السود” و ينبذهم في الطرف الآخر من المدينة. يحكي تعلّق العائلة فرداً فرداً بـMicheal و تقبّلهم لوجوده حتى وصل الأمر بافتخار الابن الأصغر للعائلة به و اعتباره أخاً له. حِرص Leigh Anne على إلحاق Micheal بأفضل الجامعات عبر تطوير و رفع مستواه الدراسي ليمكّنه من الحصول على منحة دراسية من فريق كرة القدم الذي يلعب لأجله، دِفاعها عن هذه الفئة من البشر -الفقراء و الأيتام- حينما احتقرتهم صديقاتها و نقض نظرتهم الدونية لهم. Micheal كافأهم ذات “الانتماء” و المحبة حين ضحّى بنفسه من أجل S.J. في الحادث الذي تعرّضوا له، ثم التحاقه بالفريق التي عُرفت العائلة بتشجيعها و دعمها له.

التعليقات: 1 | الزيارات: 471 زيارة | التاريخ: 2010/01/22

سينما إسلامية إلا خمسة

بقلم محمد الهامي

باتفاق الجميع من الإسلاميين، فإن السينما والإعلام ومجال الفن بشكل عام من أفعل الوسائل وأكثرها تأثيرا في الناس في عصرنا هذا. وباتفاق الجميع أيضا فإن الإسلاميين غائبون عن هذا المجال تماما، فهو سلاح مفقود في معركتهم الإصلاحية.

وباختلاف الجميع يتم الحديث عن الأسباب والعوامل التي صنعت هذا، ثم باختلاف الجميع تختلف الرؤى والآمال والطموحات عن إمكانية دخول هذا المجال وفائدته والتأثير فيه.

وباتفاق الجميع –أخيرا- فلا وجود حتى لحظة كتابة هذه السطور لفقه إسلامي يعالج مسائل الفن ومجالاته المختلفة وخصوصا الأفلام والمسلسلات.

***

لكن المجتمع الذي تجتاحه صحوة إسلامية لا يكاد يفلت أحد من تأثيرها، ولا حتى أعداؤها، تطور إنتاجه الفني تبعا لهذا التأثير، حتى أنتج أعمالا هي أقرب لواقع هذه المجتمعات وروحها وتطلعاتها كذلك، ولاشك أن الثورة الإعلامية الحديثة دفعت بهذا التطور إلى الإمام بشكل متسارع، فلئن كان النمو –في هذا الاتجاه المعبر عن روح الشعوب ونبضها الحقيقي- يسير متباطئا حتى أواخر التسعينات، فإن بداية الألفية الثالثة شهدت كثيرا من القفزات الهائلة على هذا المسار.

وبعد أن كانت حركة السينما متوقفة حتى منتصف التسعينات تقريبا عند أفلام “اللحم العريان” لمن أطلق عليهن “معبودات الجماهير” اللاتي لم يقتنعن بأنهن صرن عجائز، بدأت موجة من الأفلام الكوميدية الضاحكة التي لم تعد تهتم بـ “المناظر” وإنما اهتمت إلى حد مقبول بـ “القصة”.

ربما يمكن أن يؤرخ لهذه الموجة بفيلم “إسماعيلية رايح جاي” وبطله محمد هنيدي الذي تألق سريعا، وتألقت معه مدرسة الكوميديا في “صعيدي في الجامعة الأمريكية”.

وعبر الفيلم عن روح الناس في مصر حين لمس وبوضوح مسألة السياسة في الجامعات، وكذلك مسألة الكره الشعبي المصري لإسرائيل، وأحرق في الفيلم علم إسرائيل. صحيح أن هذا لا يبدو الآن شيئا عظيما، ولكنه بدا نقلة كبيرة في “سنوات السلام”.

في الفيلم الثاني لهذه المدرسة “همام في أمستردام” كان هنيدي يطرح مشكلة البطالة في الوطن العربي، والهجرة إلى الدول الأوروبية، ولمس الفيلم أيضا، وبوضوح مسألة الصراع العربي الصهيوني.

ثم خط أحمد السقا خطا خاصا به في أفلام الإثارة الحركية، فيما بدأ انحدار جماهيرية هنيدي، وإن كانت مدرسة الكوميديا نفسها تسير في الصعود والانتشار.

في هذه المرحلة اختفت مدرسة “اللحم العريان” وكأنها لم تكن تحتاج إلى إلا لمسة واحدة لتنهار، وهاجرت “معبودات الجماهير” إلى التليفزيون الحكومي ليصنعن مسلسلات لم تخل في عمومها من عروض جسدية أيضا ولو بالملابس فقط.

حتى عادل إمام “الزعيم” انهار تماما أمام صبي يافع خرج لأول مرة إلى عالم الشهرة، محمد سعد وفيلمه المفاجأة “اللمبي”، وكان فيلم عادل إمام وقتها “أمير الظلام” كالكسيح أمام فيلم “اللمبي” ما استدعى أن يتدخل عادل إمام بعلاقاته الصحفية لتُشن حملة ساحقة على محمد سعد تحت عناوين “سمعة مصر” (في السينما كما في السياسية يُرفع قميص “سمعة مصر” لإنقاذ الفاشلين).

وكانت الحملة من وجه آخر، وبشكل علني أو خفي تتباكى على الفن الراقي، وعلى سمعة الشباب المصري التي دمرها اللمبي. وحقيقة الأمر أن “اللمبي” ليس إلا تطويرا عصريا للفلاح الساذج أو الذكي الذي ظل شخصية لا يمل عادل إمام من تمثيلها، ولا خرج له من تباكى على صورة “الفلاح المصري الأصيل”.

***

لاشك أن المسار ليس صاعدا تماما باتجاه الإصلاح أو السينما النظيفة، بل إن المسار متعرج شديد التعرج، غير أننا نقارنه بمسار منحدر كان من قبله.

أفلام المؤلف بلال فضل مصلا تعتبر نموذجا مثاليا للكاتب الحر الشريف الذي يحاول أن يقدم سينما تلبي رغبات المنتجين وتقدم في الوقت ذاته حقيقة الواقع المصري، أو طموحات الكاتب الشخصية للإصلاح.

بعض أفلامه نجحت باقتدار، وبعضها الآخر فشل باقتدار –كذلك- ولكن التألق بلغ ذروته في فيلمي (واحد من الناس) الذي تعرض لسطوة رجال الأعمال وفساد السلطة في مصر، و (خارج عن القانون) الذي ناقش نفوذ تجار المخدرات وفساد السلطة أيضا.

أما أفلام الإثارة الحركية التي صار يتقاسمها أحمد السقا وأحمد عز، فهي إلى الآن، ومن وجهة نظري غير واضحة المعالم، فهي أحيانا تمس الواقع المصري بصدق كما في فيلم (تيتو) أو (الجزيرة)، ولكنها تسرح في أجواء بعيدة أحيانا، أجواء أقرب إلى الروايات البوليسية، لا إلى الواقع كما في أفلام (ملاكي اسكندرية) و (مسجون ترانزيت).

لكن الملحوظة المهمة أن هذه الأفلام صارت تقدم قصة محبوكة وممتعة دراميا، بغض النظر عن تلامسها من الواقع أو رسالتها الفنية (إن كان لها رسالة).

في حين تعبر موجة أفلام كوميدية عن فوضى المجتمع المصري، أو عن الهم الذي يتشوق للتنفيس عنه. وفي الحقيقة قد تعبر عن حاجة لدى الشعب لا أستطيع تحليلها ولا إدراكها، وشخصيا فإني من المؤمنين بأن التحليل السطحي للشعب هو عمل مغرق في الخطأ، ودائما يظل عند الناس شيء مجهول. هذا الشيء هو الذي يجعل ما يُتوقع له النجاح قد يفشل فشلا ذريعا، أو قد يحقق أرقاما لم تخطر ببال. الشعوب دائما –في حركتها التلقائية- تفاجئ صناع السياسية والفن بما لا يُتوقع.

إن كثيرا من الأفلام التافهة تماما تحقق كثيرا من النجاح، أهمها أفلام محمد سعد الأخيرة، وكذلك أفلام محمد هنيدي ولا سيما فيلمه التافه قبل الأخير (رمضان مبروك أبو العلمين حمودة). وبعض أفلام أخرى على هذا النمط من التسطيح والتفاهة والقصة الرديئة.

مسار آخر في الأفلام، ما زال ضعيفا، يقوده كاتب السيناريو تامر حبيب، وربما هو وحده في الساحة على ما أعلم، وهو مسار الأفلام الرومانسية، التي تناقش “الحب” ولكن بعمق حقيقي، في رأيي كان أبدع أفلامه هو “سهر الليالي” وإلى حد ما “عن العشق والهوي” وأيضا “تيمور وشفيقة”.

ويبقى مسار آخر وهو مهم ومتميز جدا، وهو مسار المخرج خالد يوسف، ونوعية الأفلام التي يقدمها خالد يوسف جميعها واقعية فعلا، وقصتها محبوكة وممتعة على المستوى الفني في غالب الأحيان، غير أنها وإن رصدت واقع المجتمع المصري إلا أنها لا تتوقف عند الرصد كما تفعل الأفلام الأخرى، بل هي تطرح الحلول من طرف خفي.

ولطبيعة خالد يوسف وتوجهاته الفكرية، وهو تلميذ يوسف شاهين بالطبع، فلا مناص من أن يكون الحل المطروح رافضا للدين، ولا مناص أن يكون الإسلاميون حاضرون دائما في خانة أعداء الوطن وأعداء الحرية، وفي خانة سبب التخلف أيضا.

وهذه النوعية من الأفلام واقعية في كل تفاصيلها إلا في أمرين: ما يخص الإسلاميين، وما يخص الجنس.

فهي تستدعي الإسلاميين قسرا (أو المبادئ الإسلامية نفسها) لتهاجمها حتى ولو كان السياق يمكن أن يستقيم من دونها. وأحيانا وصل مسار خالد يوسف إلى درجة بالغة الخطورة في فيلم (الريس عمر حرب) إذ بدا وكأنه يطرح فكرة أن الدنيا صالة قمار وأن الإله هو مدير هذه الصالة وهو الذي يتحكم في أدق شئون أفرادها الذين يعملون جميعا كخدم له.

وفي الجنس، فما زالت هي الأسخى في إعطاء جرعات لا مبرر لها من المشاهد المخلة، ويمكن في سياق الفيلم الحريص على الواقعية والتفاصيل أن ترى الفتاة الصعيدية تمشي في الشارع مكشوفة الصدر كما في (دكان شحاتة)!!! ولا تسأل في نقطة الجنس تحديدا عند خالد يوسف عن الواقعية أبدا.

***

المسار الأهم وهو الذي قصدت الكتابة عنه في هذه السطور، هو ظهور بضعة أفلام يصلح أن تسمى “سينما إسلامية إلا خمسة”، هذه الأفلام هي تعبير حقيقي عن أثر الصحوة الإسلامية في قطاع صانعي هذه الأفلام.

وهي أفلام ينبغي أن ينتبه لها الإسلاميون جيدا، فهي تجربة يتوجب ملاحظتها أولا ثم الاستفادة منها في كل الأحوال، كما يتوجب تصحيحها أو رعايتها أو دعمها من بعيد.

إنها تبدو مبشرات ضرورية، وأهم من ذلك أنها تمثل التفاعل الطبيعي مع ما يموج به المجتمع من قيم متضاربة وظروف ضاغطة، وكذلك من أثر إسلامي فيه. وهي انعكاس تلقائي للنبض الإسلامي لم يُسهم فيه أحد من الإسلاميين أو الدعاة بشكل مباشر.

ولعل الله أن ييسر فنلقي ضوءا على هذه التجربة، وكيف ينبغي تنميتها والبناء عليها. ولعلها تكون بذرة لفقه إسلامي فني معاصر، كما لعلها تكون نزولا للإسلاميين إلى هذه الساحة البالغة التأثير والفعالية والمتروكة حتى الآن لغيرهم.

التعليقات: 3 | الزيارات: 320 زيارة | التاريخ: 2010/01/18

أماركورد

بقلم السيد طه

هذا أول لقاء لي بأفلام فلليني, لم أتحمس من قبل لمشاهدة أفلامه, و لم أدر مالسبب؟ حتى إطراء سكورسيزي الشديد في “رحلته الى إيطاليا” لفلييني و استعراضه بعضاً من أفلامه لم ينجح في شد انتباهي لأعمال فلليني, و بخاصة ما يعتبره سكورسيزي قمة أعمال فلليني و هو فيلم 81/2, لكن بنفس رحلة سكورسيزي و جدت نفسي مبهوراً بعالم دي سيكا و بخاصة رائعته إمبرتو دي بواقعيتها المخيفة, و أعماله الأخرى, لكن لم يلفت انتباهي حينها فلليني, رغم علمي بتكرار إشادة كثيرين بسينماه و اعتباره من أفضل مخرجي القرن العشرين.

لكن تغير كل هذا و أنا أشاهد أماركورد و التي كنت أحياناً أنطقها قمركرد, لا لشئ إلا لأن الإسم يبدو شاعرياً بعض الشئ, و يتقاطع مع طريقة نطق بعض الكلمات العربية, لكن الجملة تعني أتذكر, و هو سيرة شبه ذاتية لحياة المخرج و تقع أحداثه في مدينة إيطالية إفتراضية تسمى بورجو.

لاداعي للخوض في أحداث الفيلم, فلا توجد قصة بالمعنى المتعارف عليه, و لا يوجد تسلسل أحداث بالشكل المتعارف عليه,  فالفلم عبارة عن تجوال حر للكاميرا في أنحاء المدينة لرصد خيالات و عواطف و تحركات سكان المدينة في قالب فني ميزته السلاسة و البساطة, فلا تجد نفسك تفكر كيف صور هذا المشهد, و لا أداء الممثلين للشخصيات, و لا اختيار الأماكن, بل تجد نفسك تستمع بالمشاهدة و تدهش, تدهش لهذا التدفق البسيط السهل للمشاعر و الأحاسيس و الأفكار و الأسرار على الشاشة.

لكني لا أستطيع تجاهل عنصر الصورة الموسيقية في هذا الحدث, فموسيقى نينو روتا كان لها حضور كبير في جنبات الفلم, و ساهمت في جعل الصورة على الشاشة أقرب ما تكون للشاعرية, ففي أحد مشاهد الفلم يقف مجموعة من الفتية أمام أحد القصور المفترض أنها مهجورة , المشهد غارق في الضباب الكثيف, و الفتية ينظرون من ثقب الباب لداخل القصر, و يتعجبون لجماله من الداخل, ينسحب ببطء و هدوء أحدهم و يقف على السلم مطرقاً رأسه للأرض ثم فجأة يبدأ في التمايل يسرة و يمنة و تجئ الموسيقى من لا مكان في وسط الضباب و الريح, يقترب منه زميله ينظر اليه و يبدأ هو أيضاً بالتمايل الخفيف و قد تسلل اليه الإحساس بالموسيقى, و شيئاً فشيئاً تتسلل العدوى لكل من بالمكان, فيبدأ الجميع في تناغم غير مقصود بالتمايل و الإحساس بالموسيقى كل بطريقته و خياله الخاص, و تجد حتى الكاميرا قد تجاوبت مع هذا الحدث فتتناقل بتمايل بينهم لتكمل لك جوانب الحدث, ثم تنهيه بمشهد من أعلى كاشف للحركة الجماعية المتناغمة الغريبة.

في مشهد سابق لهذا تجد بطلة الفلم نفسها داخل نفس القصر لمقابلة الأمير, و عندما تصعد من ظلمة الردهة الى الغرفة, يتغير المشهد تماما من قصر مترب معفر الى حجرة فخمة بها أناس بملابس القادة و الرؤساء, و من جديد تنطلق الموسيقى في أنحاء المشهد و تستجيب الكاميرا لصوتها فتبدأ الكاميرا في الصعود و النزول بخفة كأنها على مقدمة قارب في بحر, فتحول المشهد كانك في عرض البحر تشاهد عرضاً خلاباً صامتاً و قد امتلأت جنباته بالموسيقى.

الفيلم ملئ بالأحداث الكثيرة, كل منها يصلح مادة للتعليق عليها, لكن برأيي الشخصي أفضل مشاهد الفيلم هو مشهد انتظار السفينة, حيث خرج الجميع لإستقبال السفينة في قوارب تفرقوا فيها الليل بأكمله بإنتظارها, و يمر الوقت و لا تظهر, فيغلب عليهم النعاس الخفيف, و فجأة يستيقظ أحد الصبية الصغار على صوتها فيوقظ من حوله لرؤيتها, و تدخل السفينة الكبيرة فخر النظام الفاشستي, عند دخولها يختار المخرج زاوية تصوير تظهر لك تفاصيل السفينة مع الإحتفاظ بالإحساس بضخامتها, و من جديد تنبثق الموسيقا من لا مكان مع تماوج الكاميرا لتضفي تلك اللمسة الشاعرية على الحدث, و هي لمسة تبدو أقرب ما تكون لرومانسية حالة التذكر.

بالفلم مشاهد ساحرة و غرائبية للضباب, فحينما يخرج الجد من المنزل بعد أن لم يجد أحداً به, يغرق لوهلة في ضباب كثيف لا تتبين منه بداية و لا نهاية, ضباب كثيف يشبه الوحدة المحيطة بالعجائز, فيتهيب للحظات السير في أي اتجاه و يتسلل لنفسه شعور بالخوف و الضياع ليجد انه لا يزال أمام البيت و يعود اليه, لكن الطفل الصغير و هو ذاهب للمدرسة لا يتهيب السير في الضباب بل يندفع فيه, إلا أنه يبدأ تدريجياً في الإحساس بوحدته و تتضاعف مع إحساسه بالخوف من أشياء لا يميزها جدياً في الضباب.

لكن من أكثر المشاهد سخرية و ألما في نفس الوقت هو مشهد العم المجنون و هو على قمة الشجرة صارخاً في الفضاء العريض من حوله: “أريد امرأة”, لست أدري لم أضحكني هذا المشهد في البداية, ثم أثار تعاطفي الشديد معه و هو يكرر صراخه بقوة: “أريد امرأة”.

حاز الفلم على جائزة أوسكار لافضل فيلم أجنبي عام 1975, و رشح لثلاث جوائز أخرى, كما حصد ثلاثة عشرة جائزة مختلفة.

التعليقات: 0 | الزيارات: 200 زيارة | التاريخ: 2010/01/10

Up حلم الوصول الى هناك

بقلم سامي الطحاوي

يحكي Up قصة بسيطة بطريقة ليست بسيطة ابداً، طفل يحلم بالمغامرات يلتقي بفتاته ليحلمان معاً بمغامرة واحدة، السفر الى العالم المفقود في أحراش امريكا الجنوبية.

يكبر الطفلان معاً و يتأخر تحقيق الحلم، تنتظر أنت حوالي ٧٠ عاماً، كما يبدو، لن تمل خلالها أبداً، لتحقيق الحلم الذي أصبح حلم ثلاثتكم، كارل (الفتى) و ايلي (الفتاة) و أنت. يتأخر ذلك الحلم حتى يصبح الرجل، كارل، كهلاً و يقرر أن الوقت قد حان ليذهب. حين تبدأ المغامرة لن تذهب ايلي معكم و لكنكم ستضطرون لإصطحاب رفيق جديد لن أخبرك عنه حتى لا أفسد متعتك، لكني أضمن لك أنك ستستمع بصحبته كثيراً، ربما ستحبه مثلي و تعتقد جازماً أن المغامرة ما كانت لتكتمل بدونه.

كعادة أفلام الرسوم المتحركة و الأفلام الخيالية، ليس كل شيء كما يجب أن يكون، بل كما تحب أن يكون.أعتقد أنهم ابتكروا السينما لهذا السبب، فلما أعجزتهم حركة الكاميرات و قيود الواقع ابتكروا الرسوم المتحركة. بعض الأخطاء المنطقية هنا و هناك، لكنه في منطقة أفلام الكارتون مصنوع بحرفية عالية، تعززها خبرة و تقنيات بيكسار . لا تشغل بالك بعدد البالونات اللازم فعلاً لنزع بيتٍ من جذوره و الطيران به عالياً، حتى لو كان بيتاً أمريكياً تقليدياً من الخشب و ليس من الخرسانة. و لا تسأل أيضاً كم تستغرق الرحلة لو حدثت في الواقع، فقط حلق مع “كارل” و رفيقه.

رسوم الشخصيات الرئيسية في الفيلم “كارتونية” و لا تحاكي الواقع تماماً و هذا مقصود طبعاً، فصانعو الفيلم أنتجوا من قبل تحفة سينمائية اسمها “وال-ي”، و بتقنيات الرسم التي يملكونها كانت الرسوم في “وال-ي” و مشاهده (عدا شخصيات البشر) أقرب الى المشاهد الحقيقية من الرسم. النتيجة هنا انني استمتعت كثيراً بهذه الرسوم و استعدت متعة مشاهدة كارتون كارتوني، إذا كنت تفهم ما أقصده، في وقت يحاول فيه الجميع أن يرسم الشخصيات لتكون أقرب الى الطبيعة و تحاكيها قدرما يستطيعون. أعجبني أيضاً أن الرسوم ثلاثية الأبعاد و هذا لا يعني بالضرورة أنها تحاكي الواقع، شخصية “كارل” مرسومة بإتقان لكنها لم تكن ستعنيني كثيراً لو غيروا شكله بأي طريقة، أما عن “راسل” و تصميمه البديع فهو الذي يغزو القلب حقاً، و لا أظن أني كنت سأحب أي شكل آخر له مثلما أحببته هكذا كما هو.

“كارل: انت، هيا لنلعب لعبة، اسمها “من يستطيع ان يصمت لأطول وقت ممكن؟”.
راسل: رائع، أمي تحب هذه اللعبة.”

رسالة الفيلم كما هي في مئات الأفلام الأمريكية، أن على المرء أن يفعل ما على المرء ان يفعله. و هو يقدم رسالته في قالب فكاهي و سلسلة من المغامرات، مع بعض المشاهد الرومانسية الرقيقة لزوجين أمضيا معاً مغامرة هي أفضل من كل المغامرات في الأحراش؛ صحبة من تحب حتى الموت.

لا أجيد الحديث عن الموسيقى، لكنها بحق قطعة فنية عالية القيمة و جزء لا يتجزأ من متعة الفيلم.

فيلم Up من انتاج شركة بكسار، الشركة التي يملكها ستيف جوبس مدير أبل، و التي أنتجت أفضل افلام الرسوم المتحركة في السنوات الاخيرة و تفوقت بذلك على عملاق هذه الفئة من صناعة السينما، ديزني. (ديزني تقوم بدور الموزع لأفلام بكسار).

صفحة الفيلم على قاعدة بيانات الأفلام

حصل Up على ٩ جوائز و ترشح لعدد اكبر منها. مدة الفيلم ٩٦ دقيقة و هو مناسب لكل افراد العائلة من جميع الأعمار.
تقييمي ٩ من ١٠ و إذا شاهدت الفيلم فلا تنس مشاركتنا تقييمك و رأيك في التعليقات.

التعليقات: 2 | الزيارات: 366 زيارة | التاريخ: 2010/01/08

معركة الجزائر

بقلم السيد طه

هذا الفيلم بالذات مصدر قلق شديد لكن من يتصدى للكتابة عنه, فواقعيته المفرطة جعلت تناول الأمور حوله صعبة للجميع, فالفيلم بكل وضوح يتنصر للمقاومة الوطنية في مواجهة الإحتلال, ينتصر لها حتى في تلك المشاهد المؤلمة و التي نرى فيها نساءاً و أطفالاً و رجالاً يتساقطون قتلى في عمليات تفجيرية, بعض منها كان إنتحاري الطابع, و ينتصر لها بعرض مشاهد التعذيب البشعة لأفراد الخلايا الصغيرة للوصول لأعلى الهرم القيادي, و ينتصر لها بعرض مشاهد إذلال المواطن من قبل جنود الإحتلال, و حتى بعرض مشاهد تفجير البيوت على ساكنيها, و الفلم من ناحية أخرى ينتصر لنظريات النضال المسلح, و من ناحية أخرى يظهر تكتيكات الإحتلال في تفكيك خلايا المقاومة, مما جعل الفلم مادة ثرية للإستغلال من قبل طرفي النزاع, المقاومة المسلحة و الإحتلال, لكن تظل المشكلة دوماً ما حدود شاشة السينما, و ما حدود ما يمكن عرضه حتى لو كان الهدف أخلاقي أو توثيقي أو معرفي أو ترفيهي أو حتى تجاري بحت, و سيظل السؤال جدلاً أبدياً.

غرفة صغيرة يقف فيها بضعة ضباط, و على مقعد جلس متهالكاً, نصفه الأعلى عارياً و به آثار تعذيب, و أدوات تعذيب نراها متناثرة بإنتظام على الجدران و على الطاولات المحيطة به, يربت أحد الضباط على الجالس على المقعد مطمئناً إياه بأن الأمر انتهى.

الصورة كئيبة … قاتمة, زادها الأبيض و الأسود واقعية و قتامة, لم ير أحد التعذيب, لم يسمع أحد صراخ الضحية, لكن تعبيرات الوجه و حركة من حوله و كل شئ بالغرفة يشي بالكثير عما حدث.

الجالس على المقعد جزائري … و الضباط فرنسيون, و ملامح تعابير الندم على وجهه تفصح عما قاله, هو عضو في خلية عنقودية هرمية, و لتوه أفشى بأسرار كثيرة, و تبقى ان يرشدهم لمكان المطلوب الأكثر أهمية, القائد علي لابوانت مع أفراد خليته الجديدة, في أحدى منازل القصبه, رجل و طفل و امرأة, و المفترض قيامهم باحدى العمليات في اليوم التالي.

علي لابوانت القادم من شوارع الجزائر الخلفية, الأمي خريج السجون, الثائر المندفع دوماً, الصامت بثقة تدفعك لمهابته, و بنظرة تحدي مستمرة من عينيه القويتين, لكن كل شئ تغير في الحبس, بالسجن رأى أناس يساقون للمقصلة لكفاحهم من أجل إستقلال الجزائر.

و هل ينسى صيحة ذاك المساق للمقصلة “الله أكبر تحيا الجزاير”  ؟ و كما سيق ذاك الرجل الى المقصلة, تغيرت نظرة علي لحياته و قرر أن يلتحق بالجبهة.

لم يخبرنا الفلم كيف وصل علي للجبهة, لكن الطفل الجالس بجواره قرأ له أول مهمة, إغتيال ضابط فرنسي يتردد على محل ليلتقط الأخبار, يوم الإغتيال عليه أن يقابل امرأة بالشارع, يتتبع الضابط, تناوله المرأة المسدس ليضرب عليه الرصاص من الخلف, و لكن علي دوما يقاتل معركته وجها لوجه العدو, لا يلتزم بالأمر, تحاول المرأة منعه, يتملص و يقف أمام الضابط و المسدس مشهراً بوجهه, و تنطلق كلماته: انظروا كيف يخاف, انظروا هؤلاء من يحكموكم, و تكهرب الموقف بالشارع و تعلقت الأبصار بيد علي و اصبعه على الزناد, و ضغط علي على الزناد, و لم يدو صوت الرصاص, كليك كليك, كانت الخزانة خاوية؟

اسمع علي, يصعب للشعب باش يبدأ ثورة, و يصعب له بالزاف باش يواصلها, و يصعب له أكثر و أكثر باش ينتصر, و لكن من بعد من بعد ما ننتصروا تبدأ الصعوبات الكبيرة

أصوات أقدام الجنود الفرنسيين وهي تخترق الأدوار الكثيرة, القبض على كل الرجال بالدار, تجميعهم في باحة الدار, يقف الرجل المتهالك في زي جندي فرنسي, يشير لهم بإحتقار لمكان إختباء على لابوانت.

خلف جدار مغطى ببلاط قبع علي لابوانت و رفاقه الثلاثة, و صمت طويل فرض نفسه, كانت كلمات الضابط الفرنسي لهم بضرورة الخروج و الإستسلام و إلا فجروا المكان.

أحياناً تغدو القدرة على التماسك  و الثبات على المواقف أقوى من غريزة البقاء, و أحياناً يبدو التراجع و الإنحناء الوقتي للظروف الطارئة في قمة التعقل رغم مرارته, القائد المباشر لعلي لابوانت استسلم, راى الموت بهذا الشكل لا فائدة منه, لايزال هدفه الذي يسعى اليه لم يتحقق, لم تتحرر الجزائر بعد, لافائدة للموت الآن, هكذا سلم ياسف سعدي نفسه.

علي لابوانت تمسك بإستقلاله و بإمتلاكه زمام القرار, و الإصرار عليه, تم تفجير المكان, مات علي لابوانت و رفاقه, و كان موته شاهداً على وحشية الإستعمار و قسوة الغرباء على أرض لا يملكونها.

و لكن أليس الأجبن مهاجمة قرى غير محصنة بقنابل النابالم و التي تقتل آلافاً أكثر؟ بالتأكيد الطائرات ستجعل مهمتنا أسهل, أعطونا قاذفات قنابلكم سيدي, و تستطيع أن تأخذ سلالنا المفخخة.

بنتوكورفو, المخرج الإيطالي الموهوب لم يكن يريد أن يصنع فيلماً عن أحداث الجزائر, بل أراد أن يعيش تلك الأحداث, فجاء العمل شديد الواقعية, ياسف سعدي شارك بنفسه في تمثيل دوره بالفيلم, على لابوانت مثله جزائري لم يعمل بالتمثيل من قبل إبراهيم حجاج (شاهدته في مشهدين عابرين في وقائع سنوات الجمر ) , مجاميع بشرية كبيرة, تصوير بالأماكن ذاتها,تشويش الصورة لجعلها أقرب لطبيعة الفيلم الوثائقي, تفجيرات حقيقية, أمور جعلت فلماً كهذا صعب التنفيذ بنفس الدرجة من الواقعية هذه الأيام, شارك بنتوكورفو في وضع موسيقى الفلم, و يقول عنها “الصورة الموسيقية لها نفس درجة و أهمية الصورة البصرية, بل أحيانا تفوقها”, بنتوكورفو إيطالي و له تاريخ نضالي كواحد من قادة اليسار في إيطاليا, عدد أفلامه محدود مابين وثائقيات و أفلام روائية, و لعل أحد أسباب إقلاله في إفلامه ما قاله عن نفسه أنه يظل يفكر كثيراً في تفصيلات العمل, بل حتى يفكر كثيراً في جدواه من الأساس, لهذا السبب تراجع عن مشاريع أفلام كثيرة, لكن يبدو دوما شغفه بالسياسة هو ما يغلب على أفلامه, بعضها سبب له مشاكل مع دول مختلفة كفرنسا و أسبانيا, بل و جعلت بعضها صعب التسويق كأفلام تحقق مكاسب, و هي نفس المشكلة التي يواجهها كل من يتعمقون في هذه الإتجاه من الأفلام, و ستواجه مخرجا موهوباً آخر هو كوستا جافراس, في حين يركز بنتوكورفو جهده على الإستعمار و قضايا التحرر, يركز جافراس على السلطة و دهاليز السياسة.

حصد الفيلم سبع جوائز منها الأسد الذهبي في مهرجان فينسيا 1966, و رشح لثلاث جوائز أوسكار.

التعليقات: 0 | الزيارات: 290 زيارة | التاريخ: 2010/01/02

عندما كنا ملوكاً

بقلم السيد طه

“محمد علي كان كالفيل النائم , يمكنك فعل ما تشاء بجانب فيل نائم , لكن عندما يصحو سيسحق كل شئ” قالها مالك بوين.

كان علي محاصراً فى جنبات الحلبة يتفادى الضربات بكلتا يديه يحمى وجهه و بطنه يتمايل بخفة و يتقافز يمينا و يسارا و جورج فورمان يكيل له الضربات الثقيلة يمنة و يسرة.

فى استراحة احدى الجولات تقترب الكاميرا من وجه علي, عيني علي يبدو عليهم الاحساس بالخوف و صوت أحد الصحفيين المرافقين لعلي يقول: “لأول مرة أرى فى عيني علي نظرة الخوف كأنه يقول لنفسه أهذه هى النهاية”

نفس الصحفي يصف المشهد قبل المباراة قائلا : “كان الجو العام كجو العشاء الأخير كان الجميع واجمين ينظرون لعلي و يتحسرون , لكن علي قال لماذا أنتم جالسون هكذا ؟ أنا ذاهب لأرقص و أرقص و ارقص”

علي الساخر اللذى كان يتدرب على الحلبة و يوجه الضربات يمينا و يسارا و يتقافز و يصرخ بصوت عال فى وجه الكاميرا قبل المباراة ” الفتى خائف منى إنه خائف حتى الموت إنه يتمنى لو لم ياتى لهنا”

لكن من يرفض خمسة ملايين دولار !!!!

فى الخلفية هتاف الجمهور الزائيري فى استاد العاصمة كينشاسا الاستاد الذى شهد مذابح الطاغية موبوتو , موبوتو الداعم للمبارة, فهي للعالم الخارجي تثبت أن زائير بلداً آمناً, تشي بإستقرار الحكم, موبوتو الذى خاف حضور المباراة فشاهدها عن طريق دائرة تلفزيونية والجمهور الزائيري يهتف “علي بوماييه بوماييه” “علي اقتله” يقتل من ؟ فورمان الذى كان يتساءل لماذا ؟ لماذا يريدون قتلي؟ أننى ربما أشد سوادا فى الجلد منه ؟ هل تظنون أنى سأكون سعيدا حينما يهتفون “فورمان بوماييه” ؟! أم كانوا يقصدون موبوتو !!!

كان الوقت فجرا فى زائير لكن الألاف تجمعوا لمشاهدة المباراة في الاستاد, و شهدها الطاغية وحيداً في قصره, كان اختيار الفجر حتمياً  لكى يشاهدها الجمهور  فى ذروة توقيت المشاهدة فى الولايات المتحدة مباشرة على الهواء.
كان هناك كثيرون ينتظرون نهاية علي المشاغب المغرور الرافض لتلطيخ يديه بدماء الأبرياء فى فيتنام كثيرون قالوا استحالة أن يهزم فورمان الذى كانت ضرباته القوية تترك أثارا عميقة فى كيس التدريب الثقيل , كانو ينتظرون كسر انفه ذلك المغرور الذى خيب ظنهم جميعا و فاز !!!!!

سبق المباراة حفل غنائي لفرق مشاهير السود بأمريكا و اختلطت الثقافة بالسياسة بالرياضة بالمال بالمتعة فى خليط إنساني عجيب حيث الحديث عن الأمريكان من أصل أفريقي عندما كانو ملوكا فى أفريقيا قبل أن يتم استعبادهم و نقلهم للولايات المتحدة ليباعو كعبيد كان الخليط الاعلامي جذاباً و براقاً “من سفينة العبودية إالى عرش البطولة” !

فى الجولة الثامنة بعد أن استخدم علي تكنيك نفسى و عصبى لإرهاق فورمان طوال سبع جولات كان علي سريع و مستفز و بنهاية الجولة الثامنة أطاح علي بفورمان بالضربة القاضية.

فاز الفلم بأوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 1997, و حصد ست جوائز أخرى , و رشح لثلاث جوائز مختلفة.

التعليقات: 0 | الزيارات: 143 زيارة | التاريخ: 2009/12/30