محمد جلال كشك بقلم المستشار عبد الله العقيل

25 April, 2011 بواسطة keshk

* مجلة المجتمع الكويتية 26/8/2009.

محمد جلال كشك مفكر ومؤرخ إسلامي (1348 -1414هـ / 1928- 1993م)

ولد الأستاذ محمد جلال الدين محمد علي كشك في بلدة «المراغة» بسوهاج عام 1928م، وكان الأب يعمل قاضياً في المحاكم الشرعية، وهو الشيخ محمد علي كشك، وذكر الأستاذ جلال كشك عنه في أحد كتبه أنه كان أول من أصدر حكماً شرعياً في مصر بتكفير البهائيين، وتلقى تعليمه الأولي بالقاهرة، والثانوي بمدرسة «بمبا قادن» الثانوية بـ«الحلمية الجديدة»، لسكنه حينئذ بالمنطقة الواقعة بين شارع سوق السلاح وباب الوزير بحي الدرب الأحمر. والتحق بكلية التجارة، جامعة «فؤاد الأول» (القاهرة) عام 1947م، وانضم قبلها – عام 1946م – إلى الحزب الشيوعي المصري، وحصل على إجازة الليسانس عام 1952م، وأدى امتحان نهاية العام وهو سجين في معتقل «هايكستب»، بتهمة التحريض على قتل الملك.

مواقف للأستاذ محمد جلال كشك

عندما جمع الطالب محمد جلال بكلية التجارة بعض زملائه في ديسمبر 1951م، ليهتفوا ضد تعيين حافظ عفيفي رئيساً للديوان الملكي، لم يقف عند هذا الحد، فانطلق يهتف بحياة الجمهورية قبل أن يعلنها محمد نجيب بحوالي عام (يراجع كتاب «القاهرة» للأستاذ أحمد محمد عطية). وطالب بتأميم القناة، وإلغاء الاحتكارات الأجنبية في سنة 1951م في كتابه الثاني «الجبهة الشعبية»، الذي كان يدرّس في الخلايا الشيوعية، وراج أيامها أن الكتاب هو لمنظمة شيوعية تحمل هذا الاسم، وأنها وضعت اسم أحد أعضائها على الكتاب، ولكن بعد سنوات ذكر المستشار طارق البشري في كتابه «الحياة السياسية في مصر 1945 – 1952م» أن الحزب لم يصدر هذا الكتاب، وأن الكتاب خاص بصاحبه (محمد جلال)، وقُدِّم بسببه إلى النيابة، واتُّهم بالدعوة إلى قلب نظام الحكم، ولم تسقط القضية إلا بقيام الثورة.

وفي مقالة له بعنوان: «الجياع بين ضريبة الملح وحيازات القمح» قارن بين إعدام ملك فرنسا بسبب ضريبة الملح، وما يجري في مصر آنذاك باسم حيازات القمح، وقُدم إلى المحاكمة، واعتُـقل محمد جلال كشك، ولم يُفرج عنه إلا بعد انقلاب يوليو.

وعقب إلغاء قرارات مارس 1954م، بدأ التربص بالصحافة لوقوفها بجانب الشعب ضد استبداد العسكر، وعُيِّن صلاح سالم رئيساً لمجلس إدارة صحيفة «الجمهورية»، ورشَّح نفسه نقيباً للصحفيين ونجح، ولكن الأستاذ محمد جلال رفع قضية في مجلس الدولة، معترضاً على هذا الترشيح، بناء على أن صلاح سالم يمثل أصحاب الصحف، وسقطت القضية بوفاة صلاح سالم.

وبدأ الجدال على صفحات الصحف حول دستور 1923م، وإعادة العمل به، وبكافة مظاهر النظام القديم، ولكن من دون الملك، وفطن جلال كشك إلى هذه الخديعة التي يسوّقها العسكر، ليتم إلغاء الحريات، وكتب في جريدة «الجمهور المصري»: «لماذا يعود هذا الدستور»؟! وكان الجواب على الفور إغلاق الجريدة، وإيداع جلال كشك في معتقل «أبوزعبل» لمدة عامين وشهرين!! وخرج بعدها ليعمل بجريدة «الجمهورية»، وتم إيقافه عن العمل عام 1958م، وفي عام 1961م، أُلحق بمجلة «بناء الوطن» تحت رئاسة الضابط أمين شاكر، واعتُقل لمدة شهور، بإيعاز من أمين شاكر، لإرساله خبراً عن «استقلال الكويت» لـ«أخبار اليوم» بدلاً من إرساله إليه.

وعمل بعدها في مؤسسة «روز اليوسف» محرراً للشؤون العربية، وكتب في عام 1962 ــ 1963م سلسلة مقالات (خلافاتنا مع الشيوعيين)، مما جعل صحيفة «البرافدا» ــ لسان الحزب الشيوعي ــ تكتب رداً بتوقيع «مايسكي» ــ نائب رئيس التحرير يتهمه بمخالفة الميثاق، ويطالب بإبعاده عن الصحافة المصرية، لوقف زحف الجمعية اليمينية، ومع زيارة «خروشوف» إلى مصر في مايو 1964م، أُفرج عن الشيوعيين، وتم إقصاء مخالفيهم، وأُُبعد الأستاذ جلال كشك عن الصحافة أعوام (1954، 1965، 1966م)، وانفرد وحده بنقد كتاب علي صبري: «سنوات التحول الاشتراكي»، وصرَّح في مقالة بـ«الجمهورية» بأن الأرقام الواردة عن الخطة الخمسية الأولى (1961 ــ 1966م) تدلُّ على انخفاض في الإنتاج وليس زيادته، والأرقام وحدها تدلُّ على كذب الادِّعاء، ولكن بمجرد نشر هذا المقال تم فصل رئيس مجلس إدارة الجريدة، ورئيس التحرير، وتشريد جلال كشك.

وخرج من مصر بعد هزيمة يونيو 1967م، طلباً لحرية الكلمة، وبعد وفاة عبدالناصر، عمل في مجلة «الحوادث» اللبنانية.

وفور انتخاب الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» في نوفمبر 1980م، أدلى بتصريح لمجلة الـ«تايم» قال فيه: «إن المسلمين قد عادوا إلى الداء القديم، أو الاعتقاد القديم بأن الطريق إلى الجنة هو الموت في القتال ضد المسيحيين واليهود»، وكان الاحتجاج الإسلامي الوحيد هو برقية من جلال كشك، بينما التزم الجميع الصمت، وقد قال في برقيته: «إن الحرب الدينية التي سجّـلها التاريخ ودخلت في قاموس الفكر الإنساني كرمز للتعصب الديني اسمها «الحروب الصليبية»، وليست الحروب المحمَّدية ولا الهلالية، فلسنا الذين اخترعنا الحروب الدينية، ولا نحن الذين نحتنا صيغتها واسمها في تاريخ الإنسانية، وليس ذنبنا أن المعتدين علينا، وعلى بلادنا واستقلالنا من المسيحيين واليهود. ولا جريمة إذا اعتقد المسلم الضحية أن الله يرضى عن الذين يدافعون عن استقلال بلادهم».

جلال كشك.. مؤلفات وأفكار

القضية الأساسية التي وهب لها عمره تتمثل في: دفع الزيف في تاريخ أمتنا ضد (طلائع الغزو الفكري)، الذي يرى خطره الماحق على شخصية المسلم المعاصر في: إعادة ترشيد عقل المسلم، بحيث يفكر منطلقاً من مقدمات صليبية يأخذها على أنها هي الحقائق، فيخرج منها بنتائج صليبية دون أن يخلع دينه، ولا حاجة إلى تعميده بالماء المقدس، فقد عمد بـ«القار» غير المقدس. وإذا تشرّب المسلم طقوس الحضارة الغربية، واطمأن إليها، بل وأيقن بتفوقها عليه – لا مجرد التفوّق المادي، بل أيضاً الفكري والروحي ــ انهارت مقاومته، وأصبح كالمدينة المفتوحة والمستباحة لكل متأهِّب ومقتحم، أو بتدمير الأساس النفسي لوجودنا، بطبعنا من الخارج بالقسمات الغربية، وتلقيننا أن الصواب ــ وليس الأقوى والأفضل فقط – هو الغرب، وأسلوب حياة أهله في الزواج… التفكير.. الكتابة.. السياسة الجديدة، بل حتى العقيدة. وما دام ذلك هو الصواب، فإننا عندما نعود ونقيس وجودنا وتراثنا وتقاليدنا على الوافد الجديد، نكتشف أنها لا تنطبق على هذه المقاييس، وبالتالي ندينها، ونحاول جهدنا أن نعتذر عنها، أو أن نتبرّأ منها، فنبدأ من نقطة الضعف، ونحاول أن نعكِّر الماء على الجانب الآخر، فلا نكون على أحسن الفروض أفضل كثيراً من القرد الذي يحاكي سيّده في كل شيء، قد رضي بدور الظل، وأنَّى للظل أن يسبق سيده؟!

وفي كتابه الشهير «القومية والغزو الفكري»، يناقش: هل تستطيع القومية تخليصنا من المحن المصيرية التي تواجه العالم العربي الآن؟ ويقول الأستاذ جلال كشك: «إذا كان الإسلام هو الرابط الذي يربط بين العرب والبربر والأكراد وغيرهم، فلماذا نستبعده، ونرفع علم القوميّات؟! إلا إذا كان الهدف هو إثارة الحرب القوميّة!! ويعلل الأستاذ جلال مسلكية الأحزاب والحركات القومية ــ التي ترفع شعار القومية اللادينية ــ بأنها تكوَّنت من عناصر مريبة دُربت وأُعدت في مدارس التبشير، وبيوت القناصل، وأقلام المخابرات الاستعمارية، ورسمت أهدافها ومبادئها على أساس تحطيم الرابطة الإسلامية، تمهيداً للاستيلاء على الدولة العربية، ويؤكد الأستاذ جلال أن قوميتنا نسيج وحدة لحمته الإسلام وسداه العروبة، وأي محاولة لفصلهما لن تعطيك ثوباً، بل خيوطاً قد تنجح في شنق نفسك بها! وأثبت في هذه الدراسة الارتباط التام بين العروبة والإسلام، وأن المحاولات التي تدَّعي أنَّها تعمل للإسلام بمعاداة العروبة هي محاولات تعادي الإسلام والعروبة معاً.

مؤلفات الأستاذ محمد جلال كشك

ترك الأستاذ جلال كشك ما يربو على الخمسين كتاباً، تمثل محاولة لفهم التفسير الإسلامي للتاريخ، والوقوف ضد دعاة التغريب والعلمنة، وتلك هي كتب الأستاذ جلال كشك مرتبة حسب تاريخ صدورها:

1 – مصريون لا طوائف.

2 – الجبهة الشعبية.

3 – قانون الأحزاب.

4 – روسي وأمريكي في اليمن.

5 – شرف المهنة (مسرحية).

6 – الغزو الفكري.

7 – الماركسية والغزو الفكري.

8 – القومية والغزو الفكري.

9 – الحق المر.

10 – دراسة في فكر مُنْحَلَّ.

11 – الطريق إلى مجتمع عصري.

12 – أخطر من النكسة.

13 – النكسة والغزو الفكري.

14 – ماذا يريد الطلبة المصريون.

15 – إيللي كوهين من جديد.

16 – الجهاد.. ثورتنا الدائمة.

17 – الثورة الفلسطينية.

18 – ماذا يريد الشعب المصري؟

19 – ودخلت الخيل الأزهر.

20 – النابالم الفكري.

21 – كلام لمصر.

22 – مغربية الصحراء.

23 – وقيل الحمد لله.

24 – حوار في أنقرة.

25 – من بدع ثورة مايو.

26 – تحرير المرأة المسلمة.

27 – يوم عن خير أمة.

28 – السعوديون والحل الإسلامي.

29 – خواطر مسلم عن الجهاد والأقليات والأناجيل.

30 – كلمتي للمغفلين.

31 – إنهم يبيدون الإسلام في بلغاريا.

32 – المؤامرة على القدس تنفذ في مكة.

33 – الفاسي… تلك الفضيحة.

34 – قيام وسقوط إمبراطورية النفط.

35 – لمحات من أحد.

36 – لمحات من حطين.

37 – ثورة يوليو الأمريكية.

38 – الناصريون قادمون.

39 – طريق المسلمين إلى الثورة الصناعية.

40 – أولاد حارتنا فيها قولان.

41 – الشيخ الغزالي بين المدح الشامت والنقد العاتب.

42 – ألا في الفتنة سقطوا.

43 – جهالات عصر التنوير.

44 – الجنازة حارة.

45 – الفضيحة.. هيكل يزيف التاريخ لحساب الملك حسين.

46 – الحوار أو خراب الديار.

47 – إنهم يذبحون المسلمين في البوسنة والهرسك.

48 – قراءة في فكر التبعية.

49 – حكايات عن عمر.

50 – أبو ذر والحق المر.

إلى جانب عشرات المقالات المنشورة في الصحف، ولم تجمع في كتاب أو كتب حتى الآن.

من أقوال محمد جلال كشك

«الخلاف حول تفسير التاريخ ليس ظاهرة، ولا مجرد خلاف حول تفسير الماضي، بل هو في الدرجة الأولى خلاف حول الطريق إلى المستقبل، والأمم دائماً تهرع إلى تاريخها في لحظات محنتها، وتستمد منه الإلهام والدعم النفسي، بينما يلجأ خصومها دائماً إلى تزييف التاريخ وتشويهه، لتضليل الحاضر وإفساد الطريق إلى المستقبل».

«منعنا من امتلاك المدفع هو الهدف الأساسي الدائم منذ ظهور الاستعمار الأوروبي إلى اليوم، وقد تم ذلك تحت شتى الشعارات، وبمختلف التنظيمات من القراصنة ومحاكم التفتيش إلى الجامعات، والمؤسسات الدولية، والمعاهد من الأمم المتحدة، وقبل ذلك إلى جهود وكتابات وحكومات من سمّاهم «صمويل هنتنجتون» «المتعاونين والمؤمنين بحضارتنا»، هؤلاء المتعاونون الذين يعملون لاستمرار سيطرة الغرب واستمرار تخلّف أوطاننا يتسترون في كل مرحلة تحت شعارات علمانية وتقدمية ويسارية وأممية. إن عناصر مأجورة عن وعي، وعناصر تحركها أحقاد رخيصة، وعناصر تتبع كل ناعق تسيطر على إعلامنا، وتجنده لمحاربة الإسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها، غير محققة من هدف إلا إزالة دور مصر الإسلامية، وإلغاء زعامتها للعالم الإسلامي، وعزلها عن المسلمين.. لمصلحة من؟ هذا هو السؤال الذي نعرف جوابه جيداً».

معرفتي به

عرفت الأستاذ محمد جلال كشك من خلال كتاباته التي بدأ صدورها أواخر الستينيات وهاجم فيها الفكر الماركسي الذي كان من أنصاره سابقاً، وقد أعجبتُ بنقده الموضوعي لأنه يروي من خلال معايشة مع الفكر وأنصاره، فصاحب الدار أدرى بالذي فيها، ويظهر والله أعلم أنه كان مستاءً من الأوضاع الفاسدة في العهد الملكي وظنّ أن في الشيوعية علاج ما يشكو من استبداد وتسلّط واستغلال من قبل الحكام وأصحاب الأموال ونصرة للفقراء والمعوزين والطبقات المسحوقة من الشعب، ولكنه فوجئ بغير ذلك، وأن أدعياء الماركسية ورؤوسها وبخاصة من اليهود لا يقلّون جشعاً عن الرأسمالية وأصحاب النفوذ المتسلِّطين على رقاب الشعب المسكين، غير أن الله سبحانه وتعالى تداركه برحمته فكان انعطافه نحو الإسلام لعلاج المشكلات وحلّ المعضلات التي تعاني منها الشعوب المسلمة الفقيرة.

ومن هنا كان إقبالي على قراءة كتبه التي ألفها بعد توجهه الإسلامي وعزوفه عن الفكر الماركسي الذي عرف علله وأدرك حقيقته وكشف عواره.

والأستاذ محمد جلال كشك يكره التسلط والدكتاتورية، ومن هنا كان هجومه على الطاغية عبدالناصر وزمرته يصيب مقاتل فيهم ويفضح ادعاءاتهم الكاذبة وكشف زيفهم ومزاعمهم. وقد قمنا في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، بشراء الكثير من كتبه وتوزيعها في أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة في أوساط الشباب الذين خُدعوا بدعاوى الاشتراكية والناصرية والقومية والعلمانية فآتت الثمار الطيبة وعاد الكثير من الشباب إلى جادة الصواب، ومنهج الإسلام الحق، والتزموا الطريق مع القافلة المؤمنة السائرة على منهج الله تعالى.

ثم شاء الله أن يكرمنا بزيارته للكويت، حيث قمنا باستضافته وزارنا في بيوتنا، وكنتُ مع جاري وأخي الصديق د. يعقوب يوسف الغنيم، نوليه كل الرعاية والاهتمام، حيث قام الأخ د. الغنيم، بطباعة بعض كتبه في مكتبته «الأمل» بالكويت. ثم غادرنا إلى لبنان ومنها إلى أمريكا، ولم تنقطع الصلة معه من خلال قراءة مقالاته في المجلات والصحف العربية وكتبه التي استمر في إصدارها من أماكن شتى، وكانت تطبع لمرات عديدة ويقبل عليها الشباب العربي المسلم في أنحاء العالم. وكان هذا التوجه من الأستاذ محمد جلال كشك فاتحة خير على الكثير من المخدوعين بالفكر الماركسي فهجروه مثلما هجره، وعادوا إلى حظيرة الإسلام والحمد لله رب العالمين.

قالوا عن الأستاذ جلال كشك

يقول الأستاذ لمعي المطيعي: «عبارة ساخرة، ولمحات ذكية، وثقافة إسلامية واسعة، والسؤال المحيِّر: متى وكيف استوعب هذه المادة التراثية عن الإسلام»؟

وتؤكد ذلك الكاتبة الإسلامية المبدعة صافيناز كاظم: تتميز كتابة محمد جلال كشك بالحيوية التي تصل بك أحياناً كقارئ إلى حد الإرهاق، كما تتميز بالحضور الوهاج الذي يجمع بين غزارة المعلومات وعمق التحليل، والقدرة على الربط والمقارنة بين زوايا الرؤية، والمبارزة الجدلية في كل مكان، مع خفة ظل حادة، يعرف كيف يوظفها في فقرات سريعة، ويصوّبها إلى مكانها المطلوب برشاقة ودقة متناهية». «يكتب متلذذاً بالكتابة والقضية متحمساً، فينقل إليك الشغف مهما قاومته، أو عاديته، وهو منغمس كل الانغماس في موضوعه، كأنه سيكون آخر ما يكتب، وأنت لا بد منغمس فيه كأن كتابه سيكون آخر ما تقرأ».

وقال عبدالله الطنطاوي: «جاء الأستاذ جلال وجاءت كتبه على قدر، فسدّت ثغرات كبيرة في حياتنا الثقافية والسياسية، ووقفت في وجه الغزو الفكري الاستعماري، في ظروف بالغة الدقة، تُرك فيها الحبل على الغارب للشيوعيين، وللعلمانيين، ولدعاة التغريب، والدعاة إلى القوميّة، وكمَّموا أفواه الإسلاميين، وكسروا أقلامهم، واحتزُّوا رقابهم، وكانت السجون والمعتقلات الرهيبة أماكن سكنهم، فانبرى الأستاذ كشك، وليس غيره، يفضح رفاق الأمس ومَنْ وراءهم، بقلم من نار، وعقل مستنير، وقلب مسكون بالقيم العربية الإسلامية، ووعي تام بما يجري في عالم اليوم، من تزييف الحقائق، ووأد القيم التي بنينا عليها الأمجاد…».

وفاته

خلال مناظرة تلفازية أجراها مع نصر أبوزيد في محطة التلفاز العربية الأمريكية في واشنطن حول قضية التطليق التي رفعها أحد المواطنين ضد نصر حامد أبوزيد، مما اعتبرها دليل تعصب وإرهاب من الإسلاميين. أكد الأستاذ جلال كشك أن القضية ليست قضية التطليق، بل هي التزوير، وهل يصح لمن يزوِّر النصوص، ويختلق الوقائع، لإثبات رأي مسبق في حالة ما، ويندفع في هذا الاتجاه إلى درجة التلفيق ـ هل يجوز لمثل هذا الشخص أن يبقى ضمن هيئة التدريس في جامعة محترمة؟ واحتدت المناقشة إلى درجة كبيرة، وأصيب الأستاذ كشك بأزمة قلبية حادة، فاضت روحه على إثرها في 21 جمادى الآخرة الموافق 5/12/1993م، ودُفن في مصر، وأوصى أن يُدفن معه في مقبرته ثلاثة كتب: «السعوديون والحل الإسلامي، ودخلت الخيل الأزهر، وقيل الحمد لله».

رحم الله الأستاذ محمد جلال كشك وغفر الله لنا وله وأسكنه فسيح جناته.

تحت تصنيف ما كُتب عن جلال كشك | لا تعليقات »

حوار مع جريدة الميثاق الإسلامي

7 February, 2009 بواسطة keshk

نشرت جريدة الميثاق الإسلامي في عددها (996) تحقيقا صحفيا مع الكاتب المشهور محمد جلال كشك.

 في بيروت على موعد سابق التقيت بالكاتب الإسلامي المجاهد الأستاذ: محمد جلال كشك. وعلى امتداد ما يقارب الثلاث الساعات كنت أناقشه وأستمع إليه وهو يتحدث بانطلاق وسلاسة حديث الإنسان المدرك لقضيته, العامل لها, المتفاني في عمله. الأستاذ جلال كشك مثال حي لشاب يعيش آلام وطنه الصغير مصر, ووطنه الكبير العلم الإسلامي, فقد جعله تفاعله الدائم مع الأحداث السياسية التي مر بها الوطن العربي يبحث عن المنقذ, عن الفكر الذي يبني الأمة, ويواجه بها تحديات العصر.. ولعل أولى تحديات عصرنا التي تصفع العالم العربي والإسلامي بعنف هي إسرائيل. وفي بحثه عن الفكر القائد اعتنق الشيوعية عام 1946م, وعمره آنذاك 17سنة. وكان من مؤسسي الحزب الشيوعي المصري (تعاليم الراية). والحديث عن الحزب الشيوعي المصري يقودنا بالضرورة إلى توضيح هام, وهو أنه لم يكن في مصر حزب شيوعي واحد, أو حزبان باعتبار التقسيم الدولي بقيادة الحركة الشيوعية بين موسكو وبكين, كلا, كان في مصر ما يقارب العشرين حزبا شيوعيا: منهم (تنظيم الراية) الذي شارك في تأسيسه الأستاذ جلال, ومنها (الحركة الديمقراطية للتحرير الوطني), ومنها (الحركة الديمقراطية الشعبية- د. ش-), ومنها (أسكرا), ومنها (المنظمة الشيوعية المصرية) .. الخ. وبعد خمس سنوات من الانتظام في الحركة الشيوعية المصرية اعتزل الأستاذ جلال الحزب الشيوعي عام 1950م على أثر خلاف حول الكفاح المسلح في القتال والموقف من حكومة الوفد. يقول الأستاذ جلال: “هنالك فترة مرّ بها كل ماركسي في أطوار تخليه الرسمي عن العمل في الحزب, يقول فيها: إن الماركسية فلسفة عظيمة …إلا أن الماركسين العرب انحرفوا عنها, وهذا في الواقع بسبب فساد الماركسية نفسها”. وعاش الأستاذ بين عدم الانتماء حتى عام 1958م حيث تبيّن له بصورة واضحة (خيانة الشيوعين للفكر العربي حينما عارضوا الوحدة العربية). وفي عام 1962م كتب سلسلة مقالات بعنوان ( خلافنا مع الشيوعين ) .. فردت البرافدا لأول مرة تهاجم صحفيا مصريا باسمه وقالت: “إنّ استمرار جلال كشك في الصحافة المصرية يسيء للاتحاد السوفيتي”, فأخرج من حقل الصحافة عام 1964م إلى عام 1967م, حيث قضى ثلاث سنوات حرم فيها حق العمل – أي عمل -, ثم أعيد للعمل في مؤسسة (أخبار اليوم). والأستاذ جلال كشك كاتب إسلامي غزير الإنتاج, فله الآن 13 مؤلفا إسلاميا, وخمس كتب كتبها في المرحلة الشيوعية “ولا أحب ذكرها الآن” كما يقول, والجدير بالذكر أن أحد كتبه الشيوعية (الجبهة الشعبية) كان يدرس في مناهج الأحزاب الشيوعية المصرية للأعضاء المنتظمين. والأستاذ جلال متزوج وله ثلاث أولاد : أحمد وخالد وعمر, ويقيم وأسرته الآن بيروت في هجرة لا يدري هل تطول أم تقصر.

 ماذا بقي للماركسية

: قلت للأستاذ جلال كشك: نعرف أنك كنت شيوعيا ثم انتقلت للفكر الإسلامي .. فما هي أسباب ذلك؟ وكيف حدث اعتناقك للشيوعية؟ .. وكيف عدلت عن ذلك؟

في الحقيقة كثيرا ما أسأل هذا السؤال, وإن كنت أعتقد أن السؤال الجدير بالبحث الآن هو: لماذا يبقى الإنسان ماركسيا بعد أن فقدت الماركسية كل مبرراتها؟ فقد اعتنقت الماركسية في الأربعينيات للبحث عن حل لمشاكل مجتمعنا, وكان من المفروض أن تقود الأحزاب الشيوعية الثورة العربية في المغرب العربي ضد الاستعمار الفرنسي, وفي الشرق ضد الاستعمار البريطاني, ثم ضد الصهيونية التي تركزت فيها كل متناقضات الإمبريالية العالمية, ولكن الذي حدث أنّ حربنا ضد إسرائيل, والحرب الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي في المغرب, لم تقم فقط خارج نطاق الأحزاب الشيوعية بل وضد هذه الأحزاب. الأحزاب الشيوعية في المغرب العربي رفضت الثورة ضد فرنسا, والأدلة على ذلك واضحة في تاريخ الحزب الشيوعي الفرنسي, وفي مذكرات بن بركة عن الحزب الشيوعي المغربي. وفي الشرق العربي قاتلت وشنق بعض قادتها دفاعاً عن حق إسرائيل في البقاء. فقد أصدر مثلا الشيوعيون العراقيون عام 1953م بيانا نشرته جريدة (القاعدة) الناطقة باسم الشيوعيين العراقيين كتبت الجريدة: “إن الشعب العراقي يرفض بإباء أن يحارب الشعب الإسرائيلي الشقيق”, وأضافت “..لا مصلحة في الحرب للكادحين العرب واليهود بل للبرجوازية العربية العفنة”, نلاحظ أنها لم تساو حتى في الرجعيات بل نصت على البرجوازية العربية. والحزب الشيوعي المصري وصف حرب فلسطين بأنها “دبرها الاستعمار وإرادتها الرجعية” كما جاء في تقرير الرفيق (خالد)!. ويواصل الأستاذ جلال يقول: “وفي اعتقادي أن هناك سببا ذاتيا لخيانة الشيوعية العربية وهو خضوعهم في المغرب العربي لتوجيهات الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان يصوّت في الجمعية الوطنية الفرنسية على ميزانية الحرب ضد الجزائر, ويوجه الأحزاب الشيوعية في المغرب العربي ضد الثورة البرجوازية بزعم أن الحركة التقدمية عليها أن تنتظر الثورة البروليتارية في فرنسا. وفي المشرق العربي كان زعماء الأحزاب الشيوعية كلهم يهود, مثلا (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) كان يتزعمها هنري كورييل وهو يهودي, و (الديمقراطية الشعبية) كان يرأسها يوسف درويش وريمون دويك وهما يهوديان, و(أسكرا) يرأسها إيللى شيورتز وهو يهودي, و(المنظمة الشيوعية المصرية – م.ش.م -) ترأسها أوديت وزوجها سلمون وهما يهوديان, المحرر وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي عام 1947م السيد شلمون دلال يهودي, وسكرتير الحزب الشيوعي السوري اللبناني قبل انتخاب خالد بكداش جكوب تيير يهودي, وبعد انتخاب خالد بكداش أرسلوا فرج الله الحلولتل أبييب لتنظيم العمل واستخدموا نخمان ليفنسكي مستشار للحزب. كان من البلاهة – إذن – أن نتوقع من هؤلاء اليهود أن يقودوا حربا ضد إسرائيل, بل وكان وجودهم وكفاحهم جزء من المخطط الصهيوني لإقامة إسرائيل, هذا هو السبب الذاتي لإفلاس الماركسية في الوطن العربي. لكن هناك سبب موضوعي وهو: إفلاس الماركسية كنظرية عالمية. ونلاحظ أنه منذ انتصار ثورة الصين لم تقم ثورة واحدة بقيادة حزب شيوعي, بل إن الثورات الناجحة كلها كانت ضد الحزب الشيوعي. وأرجوا من الشباب المتحمسين الذين يصرخون باسم جيفارا أن يقرأوا مذكراته ليعرفوا إن كان يقاتل ضد الحزب الشيوعي البوليفي ..

الماركسية خدمة لمصالح روسيا :

إن الماركسية قد تحولت إلى سياسة تخدم المصالح القومية للاتحاد السوفياتي, ومن ثم أصبح على الثوريين أن يفتشوا على الحل خارجها.. فكانت الخطوة الثانية وهي الاعتزاز بالقومية.. قوميتنا التي تتعرض لخطر الإبادة الصهيونية. فكان الالتفات إلى التراث والتاريخ والتعرف على الينابيع الثورية في الإسلام.. وفي اعتقادي أن نسبة كبيرة ممن يعتنقون الماركسية إنما يرجع ذلك إلى جهلهم بالإسلام. أين موقف الشيوعيين الثوري من الاستعمار الصهيوني لبلادنا؟ أين كتائبهم المسلحة؟ ما موقفهم من المشروع السوفياتي الذي يطالب بحدود آمنة وقوات دولية تضمن هذه الحدود.. أي الاعتراف ببقاء إسرائيل, وتصفية الحركة الفدائية؟ كنا نتوقع أن يكون الشيوعيون عند خط النار ضد إسرائيل ولوبوصفها قاعدة للأمبريالية الإمريكية.. ولكن العكس هوما نراه. الحزب الشيوعي الأردني يرفض رسميا الكفاح المسلح ضد إسرائيل. الحزب الشيوعي العراقي يشن الحرب في مؤخرة الجيش العراقي.. إن الشيوعية قد انحازت وبصفة نهائية في العالم العربي إلى المعسكر المعادي للثورة العربية. لو أن الشيوعيين عارضوا المشروع السوفياتي الآن لاستطعنا أن نحصل على تدعيم أكبر من (صديقنا) الاتحاد السوفياتي .. إني أسألك: ما هي الثورية إن لم تكن الحرب ضد إسرائيل الآن؟ وهل الذي يرفض الحرب ضد إسرائيل ويؤيد الرقص التوقيعي في الجامعة تقدمي؟ أم الشيخ الذي يستشهد في سيناء والجولان والضفة الغربية حتى لوكان يبقي امرأته في الحجاب ؟ إن التقدمية هي موقف من حركة التاريخ .. وفي اعتقادي أن الصراع ضد الغزو الصهيوني يجب أن يكون الآن الخط الفاصل الذي تنقسم فيه كل القوى في الوطن العربي .

 هم ودينهم

 : يا أستاذ جلال ما هي صلة الإسلام بالصراع ضد الصهيونية؟

 ما من قضية زيّفت باتفاق مثل قضية الوجود الإسرائيلي في قلب بلادنا, تقوم دولة تحمل اسم نبي من التوراة ليس لها دستور؛ لأن الأحزاب الدينية تصر على أن التوراة هي الدستور, محرم فيها العمل يوم السبت ولم نر في ذلك أيّ إخلال باقتصادها وارتباطاتها بالبنوك العالمية التي تتعطل يوم الأحد, بل يحرصون على أن تكون الجلسة الأسبوعية للكنيست يوم الأحد, ومحرم فيها على الجيش طبخ الطعام يوم السبت ..تقول يائيل دايان في (مذكرات جندي): “أكلنا طعاما مطهوا يوم السبت 3 يونيو بتصريح خاص من (الحاخام الأكبر). جيش إسرائيل الذي يوشك أن يمتلك القنبلة الذرية يمتنع عن طبخ الطعام يوم السبت. وبنقوريون وشازار يسيران ميلا ونصف على الأقدام في جنازة شرشيل؛ لأنها صادفت يوم السبت, ومحرم في التوراة ركوب وسائل النقل يوم السبت!, وعمر بنقوريون 78سنة, وعمر شازار 76سنة في وقت الجنازة, ولم تجد الصحافة العالمية ولا الرأي العام الإنجليزي في ذلك مدعاة للسخرية, ولكنها تجد في ذلك مدعاة للإعجاب. نصف المصلين في مسجد الخليل من العسكريين اليهود نفخوا في البوق إيذانا بانتهاء الصوم. وجميع طائرات شركة (العال) الإسرائيلية وسفن شركة (زيم) لا تقدم لحم الخنزير. في إسرائيل أحزاب دينية معترف بها ولها وزنها. الزواج المدني غير معترف به لحد أنهم رفضوا إعطاء الجنسية لحفيد بنقوريون؛ لأنه من أم غير يهودية. اللغة العبرية لغة رسمية: درسوا بها الصواريخ, وإفساد الرادار! وضرب الطائرات على المدرجات! وألّفوا بها أدباً نالوا به جائزة نوبل العالمية. في نفس الوقت ولأجل أن تقوم إسرائيل صدروا إلينا عملاء يجعلون لب كفاحهم فصل الدين عن الدولة.. ويصابون بالفالج عندما يسمعون بأن الدستور سينص على أن دين الدولة الإسلام. ويسودون الصحائف في أضرار رمضان على الإنتاج – ونحن أمة مستهلكة والحمد لله-, والذين ألغو شعار الهجوم (الله أكبر) من الجيش ولم يعيدوه إلا بعد النكسة بخمسة عشر شهرا, بينما أول دبابة إسرائيلية دخلت سيناء مكتوب عليها آية من التوراة .. ونصاب بالذين تشغلهم صعوبة اللغة العربية, ويبحثون عن حروف أخرى لها أو عزلها عن مجال العلم بزعم أنها لغة متخلفة .. والعبرية التي انقرضت منذ ألفي سنة أصبحت لغة العلم؛ لأنه لا توجد لغة متخلفة ولغة متقدمة ..إنما توجد أمم متخلفة وأمم متقدمة.. وتوجد أمم عاجزة تفقد الثقة في كل مقوماتها. من هنا فإن الوضع الصحيح بقضية فلسطين هي أنها قضية فلسطينية عربية إسلامية, ولن يقهر التعصب الباطل للتوراة إلا الإيمان الحق بالقرآن, ولن يقهر التآمر العالمي اليهودي إلا حركة بعث إسلامي تحرر فلسطين, وتبدأ في نفس الوقت من خلال وحدة الدم, ومن خلال وضع المبدأ الإسلامي العظيم وهو الجهاد, موضع التطبيق, تتشكل عوامل وحدة الأمة الإسلامية واستكمال مقومات الحضارة الإسلامية.

التعايش السِّلمي معناه سيطرة إسرائيل:

 يا أستاذ جلال .. العالم العربي خلال عام ونصف بعد هزيمة حزيران يتحدث عن الحل السلمي والحل السياسي لقضية فلسطين, فما رأيك في هذا الحل السياسي والسلمي؟

أعتقد أننا يجب أن نتكلم بصراحة, فما من أمة تواجه لحظة مصيرية مثل التي تواجهنا الآن, إنّ الاعتراف بإسرائيل, وقبول التعايش السلمي معها يعني بكل وضوح قبول السيطرة الإسرائيلية على المصير العربي. والذين يطالبون بالحل لا يريدون إلا الاستمرار في التسلط على الشعوب العربية في ظل الحماية الإسرائيلية. وكلما طالت حكاية الحل السلمي كلما زاد التفوق الإسرائيلي.

 الزمن ليس معنا

 ألا يمكن أن يكون الحل السلمي مناورة لكسب الوقت لاستكمال التسلح, كما يقول دعاته؟

هذا ما يروجه أنصار الحل السلمي, وهو استمرار للتفكير التضليلي الذي يزعم أن الحرب تكسب خلال سباق التسلح مع أنه ليس فيهم من يدّعي أن العرب سيحصلون على سلاح لا يمكن لإسرائيل أن تحصل عليه, وواضح من سباق التسلّح أن إسرائيل تتفوُّق دائما مع ظهور احتمال الوصول لتسوية دولية تفرض حضراً على تصدير الأسلحة للشرق الأوسط. ومن ذلك يتضح أننا نخسر عسكريا كلما مر الوقت؛ لأن قوات إسرائيل تصبح أكثر دراية بالأرض المحتلة, وتستكمل معدات أحدث من إمريكا, وفي كل يوم يتضح أنه لا سبيل إلى النصر إلا بأن ندخل عنصرا لا تستطيع إسرائيل استيراده وهو الشعب والأرض, فنقاتل بكل الشعب وعلى كل الأرض. ولكن سياسة الحل السلمي تهدف إلى منع الشعب من خوض المعركة؛ لأنه بصراحة توجد نظم تخشى شعوبها أكثر مما تخشى جيش إسرائيل . إذن هل تعتقد أن العمل الفدائي هو الطريق السليم لتحطيم استسلامية الحل السياسي, وإدخال كل الشعب وكل الأرض في المعركة؟ وهل في إمكان الفدائيين أن يزيلوا إسرائيل من الوجود؟ مؤكد أن العدوان الإسرائيلي الآن قد أصبح من الوضوح بحيث لا يمكن حصره داخل نطاق الحدود الفلسطينية فمصر محتلة ..وسوريا محتلة ..وعندما نتحدث عن العمل الفدائي فإننا نتصوره (فلسطينيا وسوريا ومصريا), ولكن لأنه ليس للفلسطينيين حكومة ولا يتمتعون بنظام ثوري فقد كانوا السابقين إلى حمل السلاح لتحرير أوطانهم. والخطر الحقيقي الذي تخشاه القوى الاستعمارية من نشاط الفدائيين يكمن في حتمية امتداده ليفجر الثورة المسلحة في الوطن العربي ضد الاعتداء الإسرائيلي, وضد الذين يحمون هذا الاعتداء بمنعهم الشعب بمقاتلته. وإن تصوري للمستقبل هو أنّ الحركة الفدائية الفلسطينية ستفجِّرُ الثورة العربية التي بدورها ستحرك البركان الإسلامي القادر على أن يدكّ إسرائيل, ويحرق كل عناصر الضعف والانهيار والهزيمة. لذلك أرى أن واجب كل مسلم الآن, وكل ثوري وكل عربي, وكل فلسطيني, وكل شريف, مهما كان جنسه أو دينه أن يجنّد كل إمكانياته لدعم (منظمة فتح) التنظيم الشرعي والثوري للثورة الفلسطينية. وأن نسحق مؤامرات التعدد والانشقاق والعمليات الصبيانية التي تحركها أسماء ذات تاريخ مريب في بذر الشقاق والانقسام في العراق وسوريا والجنوب العربي.

رأيك في الإخوان:

 لنتحول إلى مجال آخر ونسألك عن رأيك في الحركة الإسلامية في مصر؟

أولاً يجب أن أقول: إنني لم أكن يوماً ما منتميا إلى حركة الإخوان المسلمين ولا أزال غير منتميا, ولا شك أن لي بعض التحفظات على ما مر من أحداث..غير أن هنالك أمور تستدعي التأمل: مصرع حسن البنا, وضرب الإخوان عام 1948م أي في المرحلة الأولى من إنشاء إسرائيل .. ثم ضرب الإخوان عام 1954م إلى حد اعتقال 18 ألف إنسان في يوم واحد كما قال الرئيس جمال عبد الناصر أمام المؤتمر القومي قبل عامين من غزو إسرائيل لمصر عام 1956م .. ثم اعتقال الإخوان وإعدام سيد قطب عام 1965م أي قبل عامين من الغزو الإسرائيلي التالي لمصر.. هذه كلها حقائق تستدعي التأمل. ولا شك أنّ شباب الإخوان كانوا القوة الوحيدة المدربة على القتال بين المدنيين المصريين كما شهد بذالك الرئيس أمام المؤتمر القومي. ولا شك أنهم (متعصبون!!) إسلاميا, أي أنهم سيستخدمون خبرتهم العسكرية بدافع من (تعصبهم الديني) لمقاتلة التعصب الإسرائيلي كما حدث في فلسطين عام 1948م. هذه الظواهر يجب أن نعيد فيها النظر, وأن نفكر كيف تدبر هذه المؤامرات قبيل كل غزوة إسرائيلية. وكل يوم يتأكد أنه بغير حركة إسلامية لا يمكن مواجهة التحديات التي تواجه أمتنا, وفي نفس الوقت نجد أن كتابات الغرب اليمينية واليسارية تصب حقدها على الحركات الإسلامية. كل هذا يدفعنا إلى أن نقدر الجهود المخلصة التي كانت تدفع الشباب إلى البحث عن حل إسلامي. وإذا لم يكن قد استطاع الوصول إلى الحل الذي يخلص أمتنا فيجب أن ندرك خطورة وصعوبة المهمة التي تصدى لها, فالحلول ليست جاهزة يمكن استيرادها كما هو الحال في الماركسية. والقوى العالمية المتفوقة بغير حد تتربص بكل محاولة إسلامية .. وشرطة العدو الصليبي سرعان ما تنقض على كل تجمع, ويجب أن نذكر أنه إلى يونيو عام 1967م لم يشنق في العالم العربي غير المسلمين .. بينما إيللي كوهين قبض عليه في مصر عام 1954م وأفرج عنه لعدم ثبوت الأدلة في القضية المعروفة بفضيحة (لاقون), في نفس الوقت الذي كانت فيه المخابرات (صلاح نصر) تعتقل 18 ألف شخص في اليوم الواحد كإجراء وقائي. كل هذا يؤكد صعوبة المهمة التي وهب البعض نفسه لها, ولكن أعتقد أنها لم تذهب هباء .. فلولا جهادهم ومعاركهم لما اهتدى الكثيرون إلى الفكر الإسلامي.
نداء للرفاق القدامى:

وفي ختام حديثنا يا أستاذ جلال, هل تحب أن تقول شيئا إلى أهل السودان؟

أحب أن أوجه كلمة لزملائي في الحزب الشيوعي السوداني الذين عشنا معهم سنوات الجامعة, والذين أعتقد أنهم أفضل الشيوعيين في المنطقة نظرا لثقافتهم العربية وللمناخ الإسلامي الذي يعيشون فيه في السودان .. أرجو من كل منهم أن يسأل نفسه: هل يناضل من أجل تلك الأهداف التي آمن بها في الأربعينيات؟؟ هل انحصرت التقدمية والكفاح في منع إقرار الإسلام كدين للدولة؟؟ إنني أتمنى أن نلتقي مرة أخرى في ميدان القتال ضد إسرائيل .. فهناك في المعركة ستمتحن كل المبادئ وكل الشعرات. فالذي يؤمن أن المستقبل له في هذا الوطن هو الذي سيقاتل من أجل حرية هذا الوطن. وبالنسبة للجنوب .. إنني أسألهم: هل إفريقيا مسلمة متضامنة مع العرب أو إفريقيا غير مسلمة؟ ومع بيافرا, ومع الصهيونية ضد العرب؟؟. حرب الطبقات من أشهر شعارات الشيوعيين: “حرب الطبقات”, وبهذه المناسبة قسم أحد الكتاب الروس الشعب الروسي بعد ثورة 1917م فقال: “يتكون شعب الإتحاد السوفياتي من ثلاث طبقات : أ- طبقة موجودة في معسكرات الاعتقال في سبيريا. ب- وطبقة سبق لها أن نفيت إلى هناك. ج- وطبقة ستنفى قريبا

تحت تصنيف حوارات جلال كشك | 4 عدد التعليقات »

الرسول صلى الله عليه وسلم زوجاً

6 February, 2009 بواسطة keshk

 

- كان يحب المرأة .. إنسانا ً.. وأفمّا ً.. وزوجة .. وبنتاً.. وشريكة في الحياة .

- سئل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال :[ أمك ، ثم أمك ، ثم أمك ، ثم أبوك] .

وقال : [ من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله ] .

وأمر الذين سألوه .. أن يزوجوا ابنتهم للفقير الذي تحبه ، لا للغني الذي يريدونه.

وكان صلوات الله عليه يقبّل عائشة ، وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب .. وكان يتكئ في حجرها ، ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها وكان يقبلها وهو صائم .. وزاحمته على الخروج من باب المنزل .

وغضب مرة مع عائشة فقال لها: هل ترضين أن يحكم بيننا أبوعبيدة بن الجراح ؟ فقالت: لا .. هذا رجل لن يحكم عليك لي ، قال: هل ترضين بعمر؟ قالت: لا.. أنا أخاف من عمر .. قال : هل ترضين بأبي بكر ( أبيها )؟ قالت : نعم ..

فجاء أبو بكر ، فطلب منه رسول الله أن يحكم بينهما.. ودهش أبو بكر وقال :

أنا يا رسول الله ؟ ثم بدأ رسول الله يحكي أصل الخلاف .. فقاطعته عائشة قائلة :

( اقصد يا رسول الله ) أي قل الحق .. فضربها أبو بكر على وجهها فنزل الدم من أنفها ، وقال : فمن يقصد إذا لم يقصد رسول الله ، فاستاء الرسول وقال : ما هذا أردنا .. وقام فغسل لها الدم من وجهها وثوبها بيده .

وكان إذا غضبت زوجته وضع يده على كتفـها وقال : [ اللهم اغفر لها ذنبـها وأذهب غيظ قلبها ، وأعذها من الفتن ] .

وتغضب عمر على زوجته ، فتراجعه ، فأنكر أن تعارضه ، فقالت زوجته : ( لماذا تنكر أن أراجعك ، فو الله إن زوجات النبي _صلى الله عليه وسلم _ ليراجعنه ، وتهجره إحداهن إلى الليل ) .

وكان إذا دخل على أهله ليلاً سلم تسليماً لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان .

وكره أن يفاجئ الرجل زوجته إذا عاد من السفر فجأة .. بل يبعث لها من يبلغـها بوصوله .

دخل أبو بكر عليه وهو مغطَّى بثوبه ، وفتاتان تضربان بالدف أمام عائشة فاستنكر ذلك ، فرفع النبي الغطاء عن وجهه وقال : دعهما يا أبا بكر ، فإنها أيام عيد .

واتكأت عائشة على كتفه تتفرج على لعب الحبشة بالحراب في مسجد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ حتى سئمت .

وهو القائل صلى الله عليه وسلم : [ من عال جاريتـين جاء يوم القيـامة أنا وهو كهاتين ] وضم أصابعه أي متساويين أو متجاورين .

رفض أن يعزل إلا بموافقة المرأة ، فليس من حق الرجل أن يتخذ هذا القرار بمفرده، ولا له أن يتصـور المرأة مجرد أداة لإشباع رغبته الجنسية ، وليس ثمّة إهانة لامرأة أكبر من رجل لا يريدها أن تحمل منه وهي تريد .

- و قال :[ الدنيا متاع .. وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ] وقال : [ إن أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة : الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي اإليه ثم ينشر سرها] .

نقلا عن : موقع الشبكة الإسلامية

تحت تصنيف مقالات جلال كشك | لا تعليقات »

عن علاقة عبد الناصر بالأمريكان

6 February, 2009 بواسطة keshk

هذه فقرة من كتاب ( ثورة يوليو الأمريكية ) وفيها يفند جلال كشك الرواية الرسمية التى تقول بأن اتصال الضباط الأحرار بالأمريكان كان فى ليلة الثورة وليس قبل ذلك .. وهى فقرة تشوبها سخرية عميقة .

لاشك أن اضطرابا شديدا قد وقع في صفوف الناصريين والمتاجرين بالناصرية والكائدين لمصر باسم الناصرية، عندما نشرت كتابي “(كلمتي للمغفلين) حيث طرحت فيه لأول مرة دراسة كاملة بالوثائق لطبيعة الانقلاب العسكري الذي نفذه جمال عبد الناصر ولم يكن- في بدايته على – الأقل- أكثر من واحد من عشرات الانقلابات العسكرية التي نفذتها المخابرات الأمريكية في شتى أنحاء العالم الثالث.. ولم يجرؤ ناصري واحد على أن ينقد حرفا في هذا الكتاب، ولكن لما نصب المولد، وجاء الحاوي الطروب وأحاطت به القردة، في ذكرى هزيمة سيناء الأولى، ومرة أخرى وجدوني أتصدى لهم ناقلا المناقشة من أعظم ثورات العرب التحررية، كما يخلعون على انقلاب ناصر الذي أفضى بالعرب إلى أحلك وأذل مرحلة في تاريخهم.. نقلت المناقشة إلى ” أمريكية الانقلاب، وهل كان عميلا.. أم مجرد متعطش للسلطة قبل أن يحقق هدفه بمساعدة المخابرات الأمريكية..

ولما كان نفي الاتصال بالأمريكان أو إنكار دعم الأمريكان للثورة مستحيلا بعدما قدمنا من أدلة ووثائق ومنطق، وبعدما نشر في العالم كله من حقائق، فقد دب الاضطراب في صفوفهم، وراحوا يحاولون إخفاء الدور الأمريكي في انقلاب يوليو بمحاولات وتصريحات وتفسيرات مضحكة إلى حد البكاء، وقد تغلبت غريزتي المسرحية (وأنا كاتب لمسرحية واحدة يتيمة) وأسلوبي الذي يقول البعض إنه ساخر، تغلب عليّ فكتبت على ظهر تصريح للسيد علي صبري، التعليق التالي، ورأيت أن أنشره ترويحا للنفس قبل أن نخوض في كآبة ما أنزلته بنا ثورة يوليو الأمريكية! .

فاقرءوا السطور التالية كنكتة..

أدلى ” علي صبري” بتصريح قال فيه إنه قابل عبد الناصر لأول مرة في حياته ليلة الثورة وطلب منه عبد الناصر في أول مقابلة: حاجة بسيطة خالص.. يخطف رجله للسفارة الأمريكية ويطلب منهم منع بريطانيا من التدخل ضد الثورة!..

واسمعوا القصة: وكان من الطبيعي أنه في ليلة 23 يوليو أن الرسالة التي يراد أن تبلغ إلى السفارة الأمريكية تبلغ من خلالي بحكم العلاقة الشخصية مع الملحق الجوي الأمريكي وقد اتصل بي البغدادي ليلة الثورة واستدعيت إلى القيادة وقابلت عبد الناصر وكانت هذه أول مقابلة، وأبلغني نص الرسالة الشفوية التي من المفروض أن أبلغها للملحق الجوي الأمريكي والرسالة بسيطة جدا فالجيش قد قام بحركته لتطهير القوات المسلحة من العناصر الفاسدة وليس للحركة أية أبعاد سياسية والشعب كله سيؤيدها لأنها ستتمشى مع مصالحه، والمطلوب أن تتدخل سفارة الولايات المتحدة لمنع أي تحرك للقوات البريطانية من منطقة القناة وقد ذهبت إلى الملحق الجوي الأمريكي وأبلغته الرسالة واتصل أمامي بالسفير الأمريكي في الإسكندرية لينقل إليه ما سمعه منى وفعلا وصلت الرسالة إلى السفارة البريطانية فيما بعد وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى عدم تدخل عسكري بريطاني في الأيام الأولى “.

وتفسير ذلك بالبلدي أن الملحق الجوى الأمريكي قاعد لا بيه ولا عليه بياكل همبرجر.. دق الباب..

- مين؟

- آنا علي صبري.

- أهلا علوة.!.. اتفضل همبرجر.. بيبسي!

- ألف هنا وشفا.. أصل أنا مستعجل..

- خير كفى الله الشر..

- لأ أنا قصدك في خدمة..

- تؤمر ياعلوة.!

- إحنا احتلينا القيادة العامة والإذاعة ومسكنا البلد.. لكن وحق العيش والهامبرجر.. ولا ينقلب على عيني عدس يا شيخ لا إحنا بتوع سياسة ولا لينا أهداف سياسية.. غيرشي كام ضابط عايزين نطهرهم!!
الملحق الجوى- أنا تحت أمرك عايز مطهرات من أمريكا؟!

علي صبري- لأ.. أبسط من كد… عايزين السفارة تشد تليفون للسفير البريطاني وقائد جيش الاحتلال البريطاني.. وتقول لهم حسك عينك تقربوا ناحية الجيش وحركة الجيش..
الملحق الجوي- غالي والطلب رخيص يا علي!.. والله ما تقوم إلا مبسوط هاتي التليفون يابت.

ألو- السفير كافري؟! حذر فزر مين هنا؟!.. لأ.. هيكل مشغول معاهم؟!.. علي صبري صاحبي اللي كنت بأسهر عنده… هو الحقيقة جاي قاصدني.. وأنا قلت بقى إنك مش حتكسفنا.. هو أصله قاصدنا ندى إنذار لبريطانيا العظمى حليفتنا رقم واحد في حلف الأطلنطي، والمسئولة رقم واحد عن مصر.. لأن هم عملوا حركة قصدها تطهير الجيش.. وأنا صدقته وقلبي انشرح له.

السفير الأمريكي- على ضمانتك؟ أوعوا يكونوا بتوع سياسة..

الملحق الجوي- أعوذ بالله.. دا وشه سمح ولا يمكن يكذب!

واتصل السفير الأمريكي على الفور بوزير الخارجية في واشنطن:

اتشيسون: خير الساعة كام دلوقتي.. فيه ايه؟. الملك عايز حاجة؟!

كافري: ملك مين؟ كل سنة وأنت طيب.. في واحد اسمه علي صبري.. طبعا ما تعرفوش ولا أنا أعرفه.. لكن هو بينه وبين الملحق الجوي بتاعنا عيش وملح.. الستات زي الأخوات.. وهو اتصل بالملحق الجوي علشان التطهير..

- تطهير ايه يا سفير الكلب!!.. تصحيني من النوم علشان عاوز شوية مبيدات..

- لأ اسم الله على مقامك.. دول مش عايزين حاجة غير إنذار صغير يرسل للندن الليلة علشان ما حدش يتدخل.

واتصل وزير الخارجية الأمريكي بالرئيس الأمريكي..

اتشيسون: صباح الخير يا ريس.

رئيس الولايات المتحدة: خير ايه وبتاع ايه الساعة كام؟!

وزير الخارجية: متأسف يا ريس.. إنما تعرف سفيرنا اللى في مصر؟ لأ. اسمه كافري.. عنده ملحق، والملحق مراته تعرف مرات واحد اسمه علي صبري.. لأ .. بالإس يا ريس!!..

أيوه طول بالك.. علي ده زار الملحق النهارده وطالبين إنذار لبريطانيا.. هم مش بتوع سياسة أبدا، ولا ليهم أهداف سياسية.. دا مجرد تطهير.

- طب ما يكلموا منظمة الصحة العالمية؟ ..

- لأ هم عندهم مستشفى المواساة وعندهم مطهراتية بس عاوزين تليفون منك لتشرشل تقول له إذا تدخلت بريطانيا الأسطول السادس حيضربها..

وقد كان واتصل ايزنهاور بتشرشل وشلت يد بريطانيا ولم تتدخل بفضل زائر الفجر علي صبري ووجهه السمح الذي كسب قلب الملحق الجوي!

يواصل جلال كشك جادا هذه المرة:

هل يليق هذا العبث؟.. ولماذا هذا اللف والدوران.. مادام عبد الناصر يخشى تدخل اَلْإفنْجفلفيز ضد الثورة، فهل يعقل أن ينتظر إلى أن تصبح أمرا وَاقفعَا، وماذا يحدث لو رفض الأمريكان.. تضيع البلد؟ أليست رواية جميع المصادر العاقلة أكثر منطقية.. وهي أن عَبْد الناصر الحريص على تأمين الثورة، اتصل قبل الثورة بالأمريكان شَارفحًا أهدافه، عَارفضَا التعاون، وعلي صبري نفسه يشهد حرفيا بالتقاء المصالح عندما قال: أعتقد أن الأمريكان قد وجدوا ففي الثورة فرصة، فهم بمساندتهم لها يستطيعون أن يقلصوا نفوذ اَلْإفنْجفلفيز وتحل أمريكا مكان الإنجليز، وكان هذا هَدَفا استراتيجيا لأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، ومصر مفتاح الشرق الأوسط وَإفذَا استطاع اَلْأَمْرفيكَان أن يزعزعوا النفوذ اَلْبفرفيطَانفيّ في مصر وبالتالي المنطقة العربية، وَكَانَتْ هذه هي الأرضية اَلْمفشْترفكَة التي عمل عبد الناصر على اللعب بها فهناك تَنَاقفض بين الاستراتيجية الأمريكية والاستراتيجية البريطانية. وهذا لا يعنى أن تأييد الأمريكان للثورة كان تَأيَيَّدَا مفطْلَقًا ولكنه بهدف تثبيت أوضاع الثورة ثم الانطلاق منه إلى تقليص النفوذ اَلْبفرفيطَانفيّ تمهيداللسيطرة ” (حَرْففيًّا حديث صحفي- نوفمبر 1986).

صدقنا وآمنا.. وقلنا كما قال النجاشي.. هذا وَالْإفنْجفيل مثل هذين! وسبحان من ضرب مَثَلًا ما جناح بعوضة..

• اَلْأَمْريكَان استراتيجيتهم هي إخراج بريطانيا من مصر.

• وجدوا في ثورة عد الناصر فرصة لتحقيق ذلك.

• عبد الناصر وجد أن هذه أرضية مشتركة، تمكنه من الحصول على الدعم الأمريكي لثورته.

• اَلْأَمريكان رأوا أن دعم هذه الثورة وتثبيتها يحقق لهم تصفية النفوذ البريطاني والسيطرة على مصر..

وكل امرأة طالق وكل رقبة حرة إن كنا قَدْ قلنا أكثر من ذلك، إلا أن افسْتفرَاتفيجفيَّة أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، لا يمكن أن تنام عليها أمريكا حتى ينبهها علي صبري ليلة الثورة أو صباحيتها.. واستراتيجية خطيرة مثل هذه. لا يمكن أن يكتشفها عبد الناصر ليلة اَلثَّوْرَة، ولا يمكن أن يفؤَجَّل دَرَاسَتهَا وتجربتها ومحاولتها إلى أن يغامر بها مرة واحدة يوم الثورة..

لقد اتفق الطرفان على تنفيذ اَلثَّوْرَة، ولا يضير الناصريين اَلشّرَفاء أبدأ الاعتراف بهذه الحقيقة فهي لا تجعل من عبد اَلنَّاصفر عَمفيلَا، وإنما متآمرا.. وقد قلنا إن هذه المؤامرة ضمنت نجاح الانقلاب، ومنعت تدخل اَلْإفنْجفلفيز وحققت الكثير من النجاح، ولكن لأنها كانت مؤامرة ومع المخابرات الأمريكية فقد انقلبت بعد ذلك على اَلْمفتَآمفر ودمرت كل شيء ومكنت إسرائيل من إلحاق الهزيمة التاريخية بمصر والعرب..

فلا داعي للف والدوران وتغطية الرأس بكشف السوءة، الاتفاق اَلْافسْتفرَاتفيجفيّ بين” انقلاب يوليو وَالْأَهْدَاف الاستعمارية اَلْأَمْرفيكفيَّة متفق عليه.. نحن نقول ” قبل ” وهم يقولون ” بعد”.. فأي الروايتين أكثر مَنْطفقًا وعقلانية؟!

انتهى .

تحت تصنيف فقرات من كتب جلال كشك | 2 عدد التعليقات »

دفاع عن الحكم الإسلامي

6 February, 2009 بواسطة keshk

ومن التعسف والجهل الفاضح أن تعقد مقارنة بين الخلافة والحق الإلهي الذي حكم به الملوك سواء  في أوروبا أو الشرق قبل الإسلام وبعيدا عن حدود الدولة الإسلامية ، أو مقارنة الخليفة بالبابا استنادا إلي بيت شعر لشاعر منافق أو كلمة لحاكم مستبد ، فالمهم ليس ادعاء الحكام بل قابلية الناس لهذا الادعاء ..

فالكاثوليكي يؤمن فعلا بقدسية البابا وهو إذا قال إن الأرض منبسطة وجب علي المؤمن التصديق ودن أن يتطرق الشك في عصمة الأول ..ولم يترددوا في الفتوى بخلع الحاكم وقتلوا ثالث الخلفاء ورابع الراشدين  ..فما اقبح الزيف بإجبار التاريخ الإسلامي علي الدخول في قالب مستورد!

وهناك قضية أثيرت وتثار دائما من حسني النية وأيضا من الذين في قلوبهم مرض، وهي انعدام المؤسسات الدستورية في الدولة الإسلامية ، ويحلو لهؤلاء وأولاء أن يقارنوا بالديمقراطية اليونانية .. وإذا كان من الخطأ مقارنة دولة  في اتساع دولة الأمويين مع المدن اليونانية التي نشأت فيها فكرة الديموقراطية والتمثيل النيابي وكانت ظاهرة خاصة بها ، لأننا نلاحظ أن هذه الديموقراطية  اختفت عندما حلت الإمبراطوريات الواسعة والمتعددة الأجناس ، محل المدن . كذلك كان الحكم في مكة يشبه ماكان عليه في أثينا،  وكانت ديموقراطية المدينة  المنورة من نوع الديموقراطية المباشرة علي عهد الرسول والصحابة.. إذا جدت مشكلة تنادوا : الصلاة جامعة ، فيتقاطرون للاجتماع بالمسجد وكان النبي أول  من طرح طريقة التصويت عن طريق انتخاب مندوبين أو النقباء  كما سماهم ، وهم الذين يختارهم المواطن العادي ، ويتعرفون  وجهة نظرة ثم يرفعونها للسلطة، وكانت المشاورات بما فيها من خلاف وحدة  هي أبرز  مايميز صدر الإسلام ، وكما أشرنا فقد اختلفوا  في العديد من القضايا ، وحلوها بأسلوب الديموقراطية   المباشرة في المدينة ، ثم نضع في الاعتبار ، أن عصر النبوة والصحابة أو الخلفاء الراشدين كان عصرا  فريدا  كما قلنا  جري فيه تأسيس الدولة داخل حدود سريعة الحركة والامتداد ، مما افضي إلي دخول العديد من الشعوب بسرعة أكبر من قدرة البشر علي التمثيل ، والتحرر  من تأثيرات الأحداث .

وفي ظل الفلسفة الإسلامية كان معني ذلك أن عدو الأمس المقاتل يصبح في اليوم التالي مواطنا متمتعا بكامل الحقوق .. فكان من المستحيل قيام الديموقراطية اليونانية أو الرومانية التي تحصر الحقوق  والممارسة في المواطن الأصلي وهو الأغريقي وتستبعد سائر الرعايا .. وقد رأينا الجهد الذي بذله بولس الرسول لاثبات أنه مواطن روماني لكي ينجو من المصير الذي ساقوا إليه السيد المسيح الذي لم يكن رومانيا بالطبع ! وهكذا لم يتسع الوقت ولا الظروف الجهاد  المتصل  وتغير جنسية الرعية بمعدل سرعة خيل المجاهدين ، لم يتسع الوقت للصحابة لوضع المؤسسات ، وخيرا أنهم لم يفعلوا لأ نهم لو فعلوا لخلقوا ديموقراطية قاصرة علي العرب  المسلمين ولكان في ذلك ضيق وحرج علي العصور المقبلة.  استمر الحكم معتمدا على أخلاقيات الإسلام في هذا الجيل الفريد من نوعه فلما كان عصر عثمان وعلي زحقت الجماهير من المناطق المفتوحة فأحاطت بالسلطة في المدينة ومعها ديمقراطيتها وأخلاقياتها ومثالياتها ومحاولاتها الفريدة في بناء دولة بأخلاق النبوة وعجز الثائرون كما كان متوقعا عن إقامة بديل فاستمرت حالة الفوضى التي كانت تهدد بضياع كل شئ لولا هزيمة النظام العالمي القديم أمام تفوق الإسلام وما جاء به كانت هزيمة ساحقة ماحقة لم تترك قدرة على المقاومة في الطبقات الحاكمة ولا أدنى رغبة لدى الجماهير في العودة إلى الماضي البغيض ، ولولا ذلك لأفضت حيرة المؤرخين والمحللين إما إلى الجنون أو الميتافيزيق وهم يبحثون عن تفسير لاستمرار المتحد الإسلامي رغم القتال المستمر بين المسلمين منذ مقتل عثمان حتى بيعة معاوية فلما انتقل الحكم للأسرة الوحيدة التي كان بوسعها فرض الاستقرار وممارسة الحكم باحتياجات العصر قامت دولة يسميها المسلمون الأتقياء وأولوا الإربة من أصحاب المذاهب بالملك العضوض ، أما نحن فلأنه كان نظاما مستقا مع عصره ومع ما توارثته البشرية من تجارب وما وصلت إليه من فكر وممارسة ولكنه بعطر الإسلام ، أو بما ظل يتناقص من هذا العطر ظل لأكثر من ألف سنة أفضل نظام حكم في العالم من حوله حتى نفد العطر تماما من الفكر والحياة وتخلف الحكم عن مستوى العصر فأصبح العالم الإسلامي أشد تخلفا على معظم المستويات وإن كنت أحب أن أضيف هنا أن المكانة الخاصة للصحابة حيث اعتبر المسلمون ومازالوا تصرفاتهم نوعا من التشريع الملزم ربما كان ذلك هو أحد أسباب امتناعهم عن وضع مؤسسات تشل حركة التاريخ ..

على أية حال ، ما من باحث أو مؤرخ يدعي لنا أنهم قد تسببوا في كارثة أو ارتكبوا خطأ فادحا فقد تركوا خلفهم مؤسسة استطاعت أن تسود العالم وتبني حضارات متتابعة على طول ألف سنة .. وإنما هي مأساتنا نحن الذين نتمنى لو وضع لنا أبو بكر مؤسسة نحل بها مشاكلنا في نهاية القرن العشرين لأننا لا نستطيع استنباط حل إسلامي لهذه المشاكل نعيب الصحابة لأنهم لم يشحنوا لنا هذا الحل عبر التاريخ .

—————————————

من كتاب : جهالات عصر التنوير – إصدار 1990 – ص 103 : 105

تحت تصنيف فقرات من كتب جلال كشك | لا تعليقات »

شهادة د. سيار الجميل

6 February, 2009 بواسطة keshk

ألف د. سيار الجميل كتابا عن هيكل أفرد فيه لقراءة في اتهامات جلال كشك لهيكل خصوصا الفصل الذي كتبه جلال كشك في كتابه ( ثورة يوليو الأمريكية ) وهو بعنوان ( التاريخ البلاستيك وهيكل ) .. وكان مما قال في الكتاب بحق جلال كشك :

وبرغم الأسلوب السياسي الذي هاجم فيه محمد جلال كشك عدوه اللدود محمد حسنين هيكل، واختلافي مع اللغة التي استخدمها كشك في هجومه على هيكل، في استخدام الأسلوب السياسي ضده، إلا أن في كتاب ” ثورة يوليو الأمريكية.. ” إدانات “واضحة ومقارنات صحيحة لا حصر لها في المعلومات التي سجلها المؤلف على كتب هيكل، وان كشك قد وثق جملة كبيرة من مقارناته التي سيستخدمها الباحثون في نقد هيكل بمتابعاتهم عنه مستقبلا.. علما بأن هيكل لم يرد حتى يومنا هذا على اتهامات كشك وغيره ، وهذا ما يضعف من كتابات الرجل، خصوصا وان الاتهامات لم تكن قليلة، فلقد بلغت عدد صفحات كتاب كشك (645) صفحة. ومن يقرأ كتاب محمد جلال كشك سيقف حائرا جدا ليست إزاء رجل اسمه محمد حسنين هيكل، بل إزاء جملة من الأسرار التاريخية في حياة العرب إبان النصف الثاني من القرن العشرين.. والتي اعتقد أن ألغازها ستحلها الأجيال العربية القادمة في القرن الحادي والعشرين

سيار الجميل – أستاذ التاريخ بعدد من الجامعات العربية ، في كتابه ( تفكيك هيكل : مكاشفات نقدية في إشكاليات محمد حسنين هيكل ) / نقلا عن مقال للدكتور محمد عباس بعنوان : يا هيكل من المسؤول ؟

تحت تصنيف معارك جلال كشك | تعليق واحد »

عن تزوير هيكل

6 February, 2009 بواسطة keshk

هذا جزء من مقال الدكتور عباس ( حادث المنشية 2 ) يصدق فيه اكتشافات جلال كشك عن تزوير محمد حسنين هيكل للتاريخ ، بل واختلاف نسخ كتبه العربية عن النسخ الإنجليزية ، فيذكر معلومات للغرب لا يذكرها لقرائه العرب حتى يصل به الأمر إلى أن يحذف من الوثائق نصوصا في طبعته العربية .

————

لقد ظللت أعواما لا أريد أن أصدق جلال كشك في انتقاداته العنيفة واتهاماته الأعنف لمحمد حسنين هيكل.. وكان أحد هذه الاتهامات هو الاختلافات بين نصوص كتبه ما بين الطبعة العربية والطبعة الإنجليزية.. كنت دائما أدافع عن هيكل.. وكنت أقول لنفسي أن خصائص كل لغة تستلزم نوعا من الاختلاف في الأسلوب.. لكن واقعة محددة طعنت قلبي..

واقعة واضحة صريحة مريرة فاجعة تنال مباشرة من مصداقية هيكل الذي كنت أظن أنني فهمته فهو لا يكذب أبدا كما أنه لا يقول الحقيقة كاملة أبدا.. كنت مقتنعا بذلك.. وكنت أظن أنه مفيد على أي حال كمصدر للمعلومات وكمحلل بارع.. ولم أكن قد أمسكت به متلبسا بالتزوير .. وحتى عندما دبج جلال كشك آلاف الصفحات.. وحتي بعد كتابات مايلز كوبلاند ومصطفى أمين ظل رأيي في هيكل كما هو..

كنت دائما أنصف هيكل على حساب جلال كشك.. بل كنت أتهم مصداقية جلال كشك عندما يكتب عن الطبعات الأجنبية لمؤلفات محمد حسنين هيكل..

لكن الميزان بدأ يميل لصالح جلال كشك.. وفي واقعة محددة ولنقرأ في كتابه: ثورة يوليو الأمريكية – الطبعة الثالثة- المكتبة الثقافية ص 95 و 96:

.. ونمضي في المقارنة بين ما قيل للغربيين المتنورين، وما أعدته مؤسسة تزييف التاريخ لقرائها بالعربية.. فنقارن بين صفحتي 49 الطبعة العربية و صفحة 8 من الطبعة الإنجليزية ( من كتاب ملفات السويس) فنفاجأ بأن الأستاذ قد أتحفنا بنص رسالة الوزير الأمريكي المفوض في مصر عن اللقاء بين فاروق وروزفلت، وترجمها مشكورا هو أو مكتب سكرتيرته السابقة، المتآمرة على ” الزعيم ” بواقع التسجيلات.. ومنح الخطاب رقم 11 في قائمة الوثائق التي ازدان بها الكتاب العربي وطرب لها الأميون-. ومن أجل استرداد المصداقية التي ضاعت! إلا أننا نكتشف أنه حتى في الوثائق، فإن الأخ الأكبر لا يتورع عن تنقيح التاريخ، بما لا يخدش حياء قرائه القاصرين.. ففي الوثيقة العربية سقط عمدا أهم ما قاله الرئيس الأمريكي للملك فاروق. الأمر الذي لم يكن بوسعه حذفه من الطبعة الإنجليزية.. أو من يدري لعله فعل وأضافه الناشر الإنجليزي لتعزيز المصداقية إياها!.. والنص المخفي هو:

واقترح الرئيس الأمريكي على ملك غير متجاوب، اقترح روزفلت تقسيم الملكيات الكبيرة في (مصر وتسليمها للفلاحين لزراعتها ) (وقد بلغ الحرص على دقة النص أن كلمة : فلاحين! كتبت هكذا: fellahin.. لتحديد الطبقة المقصودة بالتوزيع .. لماذا ضن ” هيكل على البؤساء من قرائه العرب بهذا النص البالغ الخطورة؟!.. رغم التطويل المتعمد في الطبعة العربية والاختصار في الإنجليزية.. لماذا؟

الجواب معروف: لأنه يعزز حجة القائلين بأن الإصلاح الزراعي هو أصلا، مطلب أمريكي قديم منذ 13 فبراير 1945) أي قبل الثورة بسبع سنين. وها نحن في أول لقاء بين رئيس أمريكي وملك مصر، لا يجد الرئيسي الأمريكي ما يقترحه على ” ملك غير متجاوب ” بل مهتم أكثر بالشكوى من معاملة الإنجليز، لا يجد الأمريكي ما يطلبه إلا الإصلاح الزراعي.. ولكن لأن هذه الحقيقة تعزز حجج خصوم الناصرية فقد استحقت أن تنسخ وفي أول ملزمة.. ولكن هيهات فقد بقي حكمها! بل ونصها الأفرنجي!

وعندما يكتب التاريخ بهدف إخفاء تهمة، فهو لا يكون تاريخا، بل شعوذة وتزويرا في مستندات رسمية..

***

هرعت إلى نسخة ملفات السويس عندي ولم أجد الجملة ..

وظل الميزان يميل لصالح جلال كشك أعواما و أعواما.. ولكن ظلت هذه الواقعة تضيع في زحام مشاغلي وعدم تيسر طبعة إنجليزية.. حتى لجأت أخيرا إلى صديقي الأستاذ محمد طاهر وهو يقيم بالخارج فتفضل بإرسال صورة لصفحة 8 بالنص الإنجليزي..

وشعرت بطعنة الخيانة..

هيكل إذن درج على إخفاء ما يتعلق بعلاقة ثورة 23 يوليو بالمخابرات الأمريكية..

وكان نص الصفحة كالآتي:

Cutting the Lions Tail
populous and potentially the most powerful of the emerging Arab nations And Ethiopia, together with the British at their base in Aden, controlled the strategically vital straits between the Red Sea and the Indian Ocean.

At noon on 13 February 1945, Roosevelt received Farouk on board USS Quincy, anchored in the Great Bitter Lake. To an unresponsive monarch, more interested in complaining about the iniquities of Killearn, he suggested that it might be a good idea to break up the large landed estates in his country and hand them over for cultivation by the fellahin .

At noon the following day he received the King of Saudi Arabia. They considred the question of homeless Jews in Europe, the King insisting on the impossibility of cooperation between Arabs and jews, in Palestine or anywhere else, and the President promising that he would do nothing to assist the Jews against the Arabs and that he would make no move hostile to the Arab people.

The two leaders then went on to discuss the British and the French. `We like the English, said the President, `but we also know the English and how they insist on doing good themselves. You and I want freedom and prosperity for our people and their neighbours after the war The English also work and sacrifice to bring freedom and prosperity to the world, but on the condition that it be brought by them and marked “made in Britain”.’ lbn Saud smiled, and nodded assent.
Later the King said that he had never heard the English so accurately described. `The contrast between, the President and Mr Churchill is `very great,’ he told the American Minister in Jeddah `Mr Churchill speaks deviously, evades understanding, changes the stabject to avoid commitment. C.ordng me repeatedly to bring him back to the point.
 The President seeks understanding in conversation; his effort is to make two minds meet; to dispel darkness and shed light on the issue.’ On his return Roosevelt told Congress that he had `learned more about the whole problem, the Moslem problem, the Jewish problem, by talking with ibn Saud for five minutes than could have learned in the exchange of two or three dozen letters.’ An era of postwar harmony between America and the Arabs seemed to be about to open.

Two months later Roosevelt was dead.

—————————

انتهى .

تحت تصنيف معارك جلال كشك | تعليق واحد »

عن جمال الدين الأفغاني

6 February, 2009 بواسطة keshk

لماذا الأفغاني ؟

عندما قامت  الثورة الايرانيه ،وكنا أول من رحب بها ، وبشر بالآمال  التي فجرتها ، كنا نجلس مع عدد من نخبة المثقفين العرب ..ودار حديث سني وشيعي ، والاحتمالات الممكنة لهذا النصر “الشيعي”كما كان البعض يسميه أو النصر الإسلامي كما كان الجميع يجتمعون يتمنون ..وطرحت أنا علي المجتمعين سؤالا بدا غريبا ، وهو .. هل كان جمال الدين الأفغاني سنيا أم من الشيعة؟! 

وفشلنا جميعا  في الإجابة علي السؤال .. لأنه بمنطقنا المعاصر يستحيل افتراض أنه كان شيعيا ثم ينال هذه المكانة العالية بين المثقفين في تركيا ومصر وأفغانستان حيث الأغلبية الساحقة أو حتى الجميع من السنة .. كيف لم يقل له  أحد .. ما دخلك بنا يا شيعي ؟..كيف لم تستخدم السلطات السنية التي كان يحاربها  ويدعو للقضاء عليها ..كيف لم تستخدم مذهبه الشيعي ،في التحريض عليه ، واتهامه بأنه رافضي نصيري ..إلي آخر ما تعودنا نحن استخدامه ضد المخالفين لنا في الرأي أو المصالح ؟!

وإن كان سنيا فيكف استطاع أن يقود حربا ضد شاه إيران في معقل الشيعة ،وبعد ما يزيد علي القرن لا نجد سنيا واحدا بارزا في قيادة الثورة الإيرانية،ولا في حركة أمل ؟!ولا أظن أو أدعي أن الوضع أفضل في تشكيلات المسلمين السنة..

وهل يعقل أن يستطيع الرجل التغرير بالمسلمين من كابول ودلهي إلي اسطمبول ، فيدعي بين أهل السنة ،ويطالب بخلافة آل البيت إذا ما انتقل للعمل بين الشيعة؟!

مستحيل ..وإزاء الحقيقة الواضحة ، وهي نجاح الأفغاني في كسب الجماهير :السنة والشيعة ،وتزعم المثقفين ،وفي مقدمتهم العلماء في بلاد الشيعة والسنة معا.. ليس أمامنا إلا افتراضان : التفرقة بين سني وشيعي ، ظاهرة حديثة لم تكن في عصر الأفغاني ،ولا عاني هو منها ولا جماهير عصره ،وأن الإحساس بالتميز ، حتى لا نقول النفور أو العداء ، هو ظاهرة حديثة ، نشأت علي الأرجح خلال سنوات الاحتلال والسيطرة الغربية ،التي كان من الطبيعي ان تبحث  عن كل ما يفرق الجماهير ،لتسهل السيطرة عليها .. فالجماهير لم  تكن طائفية ، إلا بعد أن جاء الاستعمار ، وربط الطائفة ، بالمصالح ، وأعاد إحياء الخلافات.

أما قبل ذلك فإن المثقفين والعلماء المسلمين ،لم ينظروا للخلاف الشيعي والسني إلا كخلاف أكاديمي تاريخي ، لا يتعدى حلقات الفقه والدراسات التفصيلية . وعبر التاريخ لم يكن هذا الخلاف بارزا وحادا إلا في دوائر السلطة ، وفي الصراع حول هذه السلطة .. وفي حالة مصر فإن عددا من المثقفين ولا نقول الجماهير ، لم ينتبهوا لحقيقة أنهم  من السنة إلا بعد الثورة الإيرانية والحديث عن الشيعة!

ولكن الإشادة بموقف  الجماهير في عصر الأفغاني  ليس منصفا ، ولا يقرر كل الحقيقة ، فلا بد أن الرجل قد استطاع أن  يسمو بصيغة ما فوق هذه التسميات ، بل إنه أول آخر زعيم إسلامي استطاع  أن يستثير ، أن ينظم ، أن يستعين بعناصر غير  إسلامية . فكان معه مسيحيون يل ويهودي مصري شهير .. ولا أظن أننا ننصف الرجل لو قلنا إنه كان متسامحا أو غير متعصب .. بل كان أكبر من ذلك.

ولو كنا ممن يجنحون للمبالغة لقلنا إنه من أولياء الله الصالحين ، بدليل أن الله قد سلط علية الدكتور إياه” بتاع الجنرال يعقوب ومطلق الأنثى ” ( يقصد لويس عوض ) فقد كان هجوم هذا الدكتور علي الأفغاني ومحاولته إثارة الشك حول دوافع السيد جمال الدين الأفغاني ، سببا لا في مجرد وقف الحملة الإسلامية علي الأفغاني  ، بل في غضبة شاملة انبري في ظلها عدد من المثقفين علي اختلاف ميولهم للدفاع عن الأفغاني والتحمس له ، وقبل حملة الدكتور كانت هناك محاولات من إسلاميين ” منبتين ” للنيل من الرجل وترديد نفس ما قاله الدكتور إياه .. ولو سكت هذا الدكتور لربما كان الضرر أفدح ، والنيل  من سمعة ونزاهة بل وإخلاص الأفغاني أسهل وأكثر قبولا . ولكن كرامة الرجل ، أو قل عدالة التاريخ ،وقوة الحق ، سخرت هذا المشكوك في عروبته المقطوع بعداوته للإسلام ليهاجمه،فغضب له مائة ألف مثقف لا يسألون السبب!..

وقد يبدو غريبا أن يتفق فريق من المنبتين لاشك في إخلاصهم مع هذا  الطائفي  الشعوبي في مهاجمة الأفغاني ، وفي هذا الوقت بالذات ، الذي تفتك فيه الطائفية بالأمة العربية ، بل توشك نارها أن تمتد فتنال بشرها الأمة الإسلامية ..

ومن ثم فلا غرابة في أن نتطلع نحن لهذا الذي استطاع منذ أكثر من مائة سنة  أن يجعل العالم الإسلامي ميدان عمله السياسي ، فيقود الإيراني والأفغاني والهندي المسلم والمجوسي والتركي ، ويوحد العربي والمسلم والمسيحي ، بل اليهودي العربي – قبل ظهور إسرائيل بالطبع ،وقبل سيطرة الفكر الصهيوني ،بل حتي قبل ظهور الصهيونية السياسية –

ما هي معجزة الرجل ..التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضي ، بل التي تبدو أنها الحل الوحيد لأزمتنا، عفوا ، بل للكارثة التي تهدد بإبادتنا كأمة و زوالنا كحضارة ..؟!
الإجابة عن كل هذه الأسئلة , يتضمنها تحليل الفكر الذي طرحه الرجل ، لا باستعراض أعماله الكاملة ، بل أقصد الصيغة  التي طرح بها الأفغاني الإسلام ، والتي ضلت عنها كل الحركات الإسلامية والتحررية التي جاءت من بعده ، فالرجل وإن يكن قد نال مكانة عظيمة بين معاصريه ، واحتل مركزا خالدا في التاريخ ، فإن تلاميذه لم يفهموا  جوهر الصيغة التي طرحها عن الإسلام المطلوب لتحرير هذه الأمم التي عناه مصيرها ، وتفرغ لحياتها .

لقد كان جمال الدين الأفغاني أول من طرح صيغة الإسلام الحضاري .. الإسلام السياسي، الإسلام الجغرافي ، وربما كان هذا الفهم موجودا بصيغة غامضة في تفكير وأدبيات الحزب الوطني وبالذات فيما بعد مصطفي كامل ، وأيضا في عدد من رجال  الثورة الجزائرية ..  ثم اندثر تماما أو قل وئدت الفكرة والصيغة علي يد القوميين العرب ، سواء الذين رفعوا راية العروبة لمحاربة الإسلام في أواخر الدولة العثمانية والي فتنة لبنان أو ” المخلصون ” الذين أرادوا حركة قومية علي الطراز الأوروبي ، أو بالأحري ما فهموه  من هذا الطراز .. وأيضا  انهارت الصيغة علي يد الحركات الإسلامية  من باكستان إلي العالم العربي ، الذين طرحوا الصيغة الدينية ، وتصوروا أنفسهم دعاة جددا ” للدين ” الإسلامي .. ومن هنا كان التقاء الجانب الأكثر تطرفا من الحركة الإسلامية ، مع أعداء الإسلام والعروبة في رفض الأفغاني والحملة عليه ..

فما هي صيغة الأفغاني  أو ما هي صيغة الإسلام الحضاري التي نعتقد أننا بحاجة إليها، ونعتقد أنها تكفل حل مشاكلنا..؟

كان الأفغاني يؤمن بالمواجهة الحضارية بين الشرق والغرب ،  تلك المواجهة التي بدأت بحرب الإغريق  ضد الفرس ، وانتهت هذه الجولة بانتصار الإغريق ثم الرومان ، وخضوع الشرق للغرب إلى أن جاءت أول وآخر موجة شرقية منتصرة وهي العرب المسلمون ثم الترك ، وما تخلل ذلك من كر وفر ، وامتداد وانحسار .. ليعود الغرب في هجمته التي بدأت بسقوط الأندلس ، وتحول مجرى التاريخ ، الذي مازال مستمرا لمصلحة الغرب إلى يومنا هذا .. ولا حاجة أو قل لا مكان للتفصيلات ..

المهم أنه خلال هذه المواجهة ، تحددت ملامح الشرق في الحضارة الإسلامية ، ليس فقط لأن المسلمين أصبحوا يمثلون أكبر نسبة متجانسة بين شعوب الشرق المواجهة لأوروبا ( لم تكن الصين ولا اليابان جزءا من هذا الشرق حضاريا ولا حتى في قرون المواجهة من عصر الإغريق إلى القرن التاسع عشر ) .. ولا لأن الدول الإسلامية أصبحت هي الثغور والطلائع والمتصدية باسم الشرق الآسيوي الإفريقي .. بل أيضا لأن الحضارة الإسلامية كانت القاسم المشترك والمميز بين شعوب هذه الدول ، بل تكاد تكون حضارتهم الوحيدة ، ولأن الإسلام عبر عن مقاومة هذه الشعوب المنتصرة أو المتراجعة ضد الهيمنة الغربية ، هو وحده الذي حقق الانتصار الوحيد للشرق على الغرب .

 ولأن الإسلام بفلسفته القائمة على قبول التعدد ، وحماية هذا التعدد قد حمى الجماعات والأديان والطوائف والعناصر والقوميات التي في الشرق ، والتي كانت تواجه خطر الإبادة في ظل ” الهيمنة ” الغربية ، التي ترفض هذا التعدد وترفض هذه المخالفة ، حتى اصبح هذا التعدد خاصية تميز الحضارة الشرقية ، حيث ولد مبدأ التعايش ، وتمت ممارسته وازدهارها كما لم يحدث في أي حضارة أخرى . فالحضارة الإسلامية أبقت على تعدد القوميات ، ففيها الفرس والهنود والأتراك والبربر والزنج … إلخ كما أبقت الكنائس والأديان ، بل ليس جديدا القول بأن كل كنائس الشرق ما كانت لتبقى إلى اليوم وتنجو من الإبادة والذوبان لولا انتصار الحضارة الإسلامية ، وقد مللنا ومل الناس إعادة تكرار هذه الحقيقة ، وهي أن جميع كنائس الوطن العربي كانت في حالة ثورة ، مطاردة ، هاربة أو معتصمة بالجبال والصحراوات عشية الفتح العربي – الإسلامي .. وفي بلد مثل الهند ، لم يشهد تاريخها تعايشا بين طوائفها التي يصعب حصرها ، إلا في ظل الحكم الإسلامي .. وهاهي في ظل الديمقراطية تزاحم لبنان في المذابح والخلافات الطائفية ، وإصرار الهندوس على فرض سيادة عنصرهم ، وتشبث غيرهم بالتميز والمخالفة والانفصال ..

ومن هنا أصبحت هذه القوميات وهذه الطوائف منتمية تاريخيا وفكريا وحضاريا ومصلحيا للحضارة الإسلامية الشرقية ، وأصبح يستحيل التمييز بين هذه الطوائف والأديان والمذاهب والقوميات في المواجهة الحضارية مع الغرب الاستعماري ، فهي ليست مسألة دينية ، وإن كان الدين قد أصبح روح المقاومة والصيغة الظاهرة ، سواء أكان الدين الإسلامي أو شتى الكنائس المرفوضة من حضارة وكنائس الغرب الأوروبي والأمريكي ، الذي تبشر كنائسه بين المسيحيين العرب قبل المسلمين ، بل وبإصرار أكثر ونجاح أكبر من نجاحها في أوساط المسلمين ..

هذا التصور للانتماء الحضاري والقيادات الوطنية والدينية تحسه وتمارسه دون تنظير ، وهذا ما حكم موقفها من الفتح العربي إذ رحبت به ، وجعلت سقوط الامبراطورية الفارسية سهلا إلى حد مذهل ، أما الأكثر ذهولا لمن يرفض تفسيرنا للمواجهة الحضارية فهو السرعة التي تم بها اندماج فارس في الحضارة الإسلامية ، بل وحمل الفرس مشعل هذه الحضارة ، وتصديهم لنشرها شرقا ، والتعبير عن تفوقها العلمي والفني والأدبي .. ذلك أن القومية الفارسية التي حملت عبء الدفاع عن الشرق ، وفشلت – وجدت في الإسلام التعبير الحقيقي عن روحها وحضارتها ، وكيانها ، فاندمجت فيه وأوغلت برفق وأحيانا بعنف ..

وكما كان انهزام الوجود البيزنطي في بلاد شاسعة المساحة ضخمة الإمكانات ، سهلا ومثيرا ، بسبب عواطف السكان غير المسلمين وقتها ، وإحساسهم بأن الفتح العربي هو التحرير .. بينما صمدت القسطنطينية وهي مجرد مدينة خلفها امتدادات بربرية بلا حضارة ، صمدت ما يقرب من ثمانية قرون لأنها لم تكن عربية ولا من الشرق ولا اعتبرها المشارقة من جغرافيتهم أو ترابهم أو حضارتهم . بل عندما دخلها العثمانيون أخيرا سماهم العرب ” الروم ” .. فقد اصبحوا في نظرهم امتدادا للروم الذين ارتبطت المدينة بهم ..!

كذلك تجلى هذا الحس في موقف القوى غير الإسلامية من الحروب الصليبية ، التي جاءت باسم المسيحية وضد الإسلام والمسلمين ، وتحت شعار تخليص بيت المقدس من الكفار وتحرير قبر المسيح .. إلخ .. وكلها شعارات تبدو متلاقية مع فكر الكنائس العربية ، ولكنها لم تصادف أي استجابة يعول عليها لدى غالبية المسيحيين .. وإذا كان البعض يصر على اتهام فئات بالاستجابة للإغراء الذي طرحه القادمون من أوروبا لإبادة المسلمين ، فإن هذه الفئات قد أصبحت من يومها تشعر بالغربة وسط المحيط العربي أو الشرقي ، وتحاول بكل جهد إثبات انتمائها للحضارة الأخرى عبر البحر الأبيض ..

ازدهرت وتألقت كل الأقليات ، وساهمت في البناء الحضاري للإسلام ، على نحو لم يسبق له مثيل ولم يتكرر إلا في القرنين الأخيرين في أمريكا بالذات التي هي تجمع أقليات .. وكان الانتماء واضحا حتى في الأسماء العربية التي امتدت من الفلبين إلى جنوب فرنسا بين شعوب ليس في لغتها حتى الحروف العربية كلها ، ورغم ذلك حرص التركي والعجمي والزنجي على نسبة أولاده ” هسن ” أو ” أوثمان ” وأصبح اليهودي اسمه ” ميمون ” وأبو لافيه ” وتفقه في علوم اللغة وحسبك ” سيبويه ” مؤسس علم النحو ووعظ البطاركة بالعربية وترجموا إليها الأناجيل ، ( في أسبانيا الكاثوليكية رفضت الكنيسة المنتصرة في القرن الخامس عشر ترجمة الإنجيل إلى العربية لأنها ” لغة نجاسة ” … ) ولكن قساوسة الشرق تفقهوا في أصول الدين الإسلامي وحملوا الأسماء العربية ، ويكفي تأمل تطور الأسماء خلال مائة سنة الأخيرة بين الأجداد أو حتى الآباء والأبناء ، وكيف أصبح مايكل ابن أبو جودة ، وولد الإمام ” مالك ” ابنا اسمه شارل .. وكذلك الحلو بيك ولد شارل وحبيقة ولد إيللي .. ولا عجب فانتصار الحضارة العربية جعل أهم قديسة في إسبانيا المسيحية اسمها ” فاطمة ” أو ” سانت فاتيما ” بينما حفيد الشيخ القيسوني أصبح ” ليدو ” وداود صار ديفيد وميخائيل أصبح ميشيل ثم ما يكل ..

وهذا كله من مظاهر الإحساس بالانتماء الحضاري ، ولكن في الاتجاه المضاد ، وهو ما جعل بعض القوى تدرس للطلبة في مدارسها أن ريتشارد قلب السد هو البطل التاريخي وليس صلاح الدين في نفس الوقت الذي كان قادة العروبة المعادية للإسلام يسمون أولادهم ” لهبا ” حتى يصبح اسم الأب ( أبو لهب ) إحياء لذكرى أبي لهب ، وهم الذين قالوا : أبو جهل وأبو لهب أقرب إلينا من سلمان الفارسي وهم جميعا يعبرون عن رفض الانتماء الحضاري ، رفض الواقع والتاريخ مهما تعللوا فلو انتصر ريتشارد قلب الأسد ولو انتصر أبو لهب على سلمان الفارسي لما كنا عربا ولا كنا أفضل من سكان مالطا أو أنغولا أو الفلبينيين في أفضل تقدير .. فمن ينتمي للشرق ، للعروبة لابد أن يشعر بالامتنان للذين أورثوه هذه الهوية .. سلمان وصلاح الدين وأباء الكنائس الشرقية التي فتحت قلبها للشقيق المسلم الذي جاء بالتحرير من حكم بيزنطة ودافع عنها ومعها ضد غزو أوروبا في القرون الوسطى وفي العصر الحديث ..

قلنا إن السيد جمال الدين الأفغاني كان أول مفكر إسلامي في العصر الحديث وعى طبيعة المواجهة الحضارية بين الشرق والغرب ، فاعتبر الشرق كله بلا تمييز ميدان عمله ، وحدد رسالته بإيقاظ وتوعية شعوب هذا الشرق لتحريرها أو لتصعيد مقاومتها ضد الزحف الاستعماري الأوروبي .. لم يفرق في ذلك بين العربي أو الفارسي أو الهندي ، ولا فرق بين المسلم والمسيحي ، أو عابد البقر في الهند ، فكلهم في الهم شرق ، وكلهم في زورق واحد ضد الاستعمار الغربي .. وما كان لقائد في مثل شموخ فكرته ونضج نظرته العالمية أن يفرق بين شيعي وسني … إلخ ..

وقد نجح الأفغاني في التوصل إلى هذه الصيغة المتفوقة لأنه لم يحاول إنشاء حركة دينية ، أو إن شئت لقد توصل من هذا الوعي بالمجابهة الحضارية إلى خطأ البدء أو الانحصار في حركة دينية فالأفغاني وحده يمكن وصفه بأنه اهتم وجاهد في كل القضايا الإسلامية التي عاصرها وترك بصماته على حركة البعث الإسلامي إلى يومنت هذا ، ومع ذلك فلا ادعى الإمامة ولا سماه أحد بالإمام ، ولم ينظر المعاصرون ولا التابعون للأفغاني كزعيم ديني أو فقهي وليس له فتوى واحدة مشهورة ، وإن كان أحد تلاميذه ( يقصد الشيخ محمد عبده ) قد تخصص في الإفتاء وأصبح هو المقصود لو قيل ” المفتي ” أو ” الإمام ” بدون تعريف .. ولا يعرف له رأي في قضية الإمامة ولا بيعة السقيفة ، بل يروى أنه رفض إغراء محاولة إدخال اليابانيين في الإسلام معتقدا أن مهمة المسلمين التي تستغرق جهدهم هي حماية ما بقي وتحرير ما سقط ، فاليابان كانت تبحث عن حل حضاري وليس عن حل منطقي أو شرعي ، ولم تكن حضارة المسلمين المهزومين تغري أمة صاعدة بعكس ما يحاوله المفلسون اليوم لنشر الإسلام في الهنود الحمر المنقرضين .

الأفغاني لم يطرح الصيغة الدينية لتحرير الشرق ، وإن كان قد رأى و روج أن هذا التحرير فريضة دينية على المسلم ووطنية على جماعات الشرق غير المسلمة ، بل مسألة كرامة ، وتأمل قوله للهنود : لو كنتم مائة مليون ذبابة لأزعجتم الإنجليز بطنينكم أو لو كنتم مائة مليون سلحفاة لسبحتم إلى الجزر البريطانية وأغرقتموها في البحر ، فهو لم يحصر جهده في المسلمين الهنود ، ولا حاول فرزهم .. ثم انظر إلى رأيه في الثورة السودانية ، فهو بالطبع لم يصدق ادعاء زعيم الثورة أنه المهدي المتظر ، ولكنه رد في العروة الوثقى على سؤال قارئ حول مهدية ” محمد أحمد ” برأي يثير فزع الحركات الدينية اليوم ، ويعطي مادة للراغبين في التشكيك في إيمانه ، إذ قال : حتى لو ثبت كذب الرجل وبطلان ادعائه المهدية فيجب تأييده ، وهذا على أساس أن الطاقة الإيمانية التي يفجرها الاعتقاد بمهديته ولو خطأ تضيف إلى كفة الحركة الوطنية في صدامها مع الاستعمار ما يرجحأو حتى ينفي الحاجة إلى الجدال حول صدق الادعاء من كذبه .

وهل كانت ” جان دارك ” فعلا تكلمها الملائكة ؟؟ .. ولماذا انحازت السماء إلى الفرنسيين ضد الإنجليز وكلهم من دين واحد ؟ ولكن قناعة الفلاحين الفرنسيين بأن جان دارك هي المهدي المنتظر أعطتهم نفس القوة التي فجرها الإمام بالمهدي في السودانيين ، فالوطني الفرنسي هو الذي روج خرافة جان دارك ..

الأفغاني كان في حرب شاملة ضد الأجنبي العدو ، يحاول تجميع كل طاقات الشرق للمقاومة ، فهو مع خرافة المهدي في السودان ، مع آيات الله في إيران من أجل استصدار فتوى شرعية بتحريم الدخان ، ولو حتى على أساس أنه من بول إبليس كما كان المتدينون الطيبون يقولون بعد الأفغاني بنصف قرن ، مع الحركة الدستورية على الطراز البرلماني الأوروبي في مصر ، مع نموذج بطرس الأكبر ومحمد علي في تركيا .. وهذه الحركة السياسية التي أرادها الأفغاني تنطلق بالطبع من خلفية إسلامية ، وتعتمد على الوعي والإيمان الإسلاميين فى انطلاقها ونموها وانتصاراتها ، وهي بدورها كان يفترض أن تؤدي إلى حركة بعث إسلامي ، وقد أدت فعلا ، ولكن في إطار محدود ، وصيغة خاصة ، إلا أنه لا يمكن لمؤرخ أن يغفل تأثير حركة الأفغاني على المفاهيم والممارسات والتطورات للحركة الإسلامية من الجزائر إلى باكستان .. وإن صح وصف هذا التطور بأنه نهضة أو بعث ، فالفضل الأكبر فيه يرجع للأفغاني ..

وقد انقسم تلاميذ الأفغاني من بعده ، ومضوا في دروب عديدة ، وأستطيع القول إن الحركة الوطنية في الجزائر هي وحدها التي فهمت وتبنت الإسلام الحضاري ، فلم تكن الثورة الجزائرية بقيادة حركة دينية ، وإن تكن أنقى وأنجح ثورة إسلامية أو أكبر نصر إسلامي منذ فتح القسطنطينية أو سقوط الأندلس .. وبعض قادتها تفقهوا في الدين بعدما نجحت الثورة وخلعوا من الحكم . ولا أنسى صدق وطهارة المرحوم ” قايد أحمد ” عندما كنت أحدثه عن آمال المسلمين في مساهمة قيادة الثورة الجزائرية في تقديم طرح جديد للفكر الإسلامي .. فرد صارخا : ” أنا ؟ أنا قرأت القرآن بالفرنسية ” !

كذلك يمكن القول أن الثورة الإيرانية حركة سياسية ، فلم يقدها حزب ديني وإن اعتمدت على الجماهير المسلمة ، وعلى نمو الإحساس بالمواجهة الحضارية وسياسة تحدي الإسلام التي سار عليها الشاه ، وإن سلمت الحكم لرجال الدين باعتبارهم القيادة الوحيدة الموثوق بـ ” إسلامها ” من الجماهير .. ولكنها لم تكن حركة دينية .. بينما كانت باكستان ولا تزال هي صيغة طرحتها حركات دينية ، عزلت المسلمين الهنود ، واعتبرت أن لهم مصيرا يختلف عن مصير الهند ، وأن هدفهم هو إقامة الدولة الإسلامية ، ونفس الشئ عن الحركة الإسلامية في المشرق العربي ، فقد بدأت حركة ” دينية ” وتحت اسم خاص هو ” الإخوان المسلمون ” .. بينما لا نجد مثل هذا الاسم في الثورة الإيرانية أو الجزائرية أو الأحزاب التي حققت الاستقلال في المغرب .. رغم وجود إسلاميين بارزين في القيادة ..

هذه الحركات ” الدينية ” فرزت المسلمين وحدهم ، فأصبحت قضيتها قضية المسلمين ، ثم فرزت ” المؤمنين ” من بين المسلمين واستبعدت من لا يؤمن لا أقول ببرنامجها ، فكلها لم يكن لها ولا تزال بدون برنامج معاصر ، اكتفاء بتمتعها بسيد البرامج الصالح لكل زمان ومكان .. وهذه مغالطة بالطبع ، لأن من علائم الصلاحية ودلائل الدوام هو القدرة على استنباط البرنامج في كل زمان وباختلاف المكان ..

المهم أن هذه الحركات استبعدت المخالفين لمسلكيتها ، فمن لا يطلق لحيته أو يصلي السنة أو لا يقصر ثوبه .. هو مسلم ناقص الإسلام ، ويفبذل الجهد والوقت في إقناعه بهذه الممارسات ، وهذه الحركة تروع بالطبع عندما تعرف أن الأفغاني كان له تلميذ لا يصلي بانتظام أو حتى يتسامح في بعض الأمور .. ويستدلون  بذلك على أن الأفغاني كان دجالا ! .. لأنه لا يمكن أن يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله .. وأوله بدأ بالمؤمنين العاكفين الركع السجود .. وهذا صحيح .. ولن نقول إن ألفا وخمسمائة سنة ومساحة قارتين تفصلان بين أول هذا الأمر وآخره .. وإن ما بدأ بالإيمان الديني ، قد نما وتطور وتشعب فأسبح يضم المسلم والمنتمي لغير دين الإسلام ، بل واللا منتمي لأي دين .. وأنه لابد من برنامج ينبع من الإسلام ، وينفذه أساسا المسلمون المؤمنون الصادقون ، ولكنه برنامج يسع كل هؤلاء .. وما من حركة تعتمد على الدين في منطلقها وسلوكها وإيمان أتباعها مثل الحركة الصهيونية ، ولكنها حركة سياسية بكل معنى الكلمة ، لم تبدأ على يد حاخامات ، ولا سيطر عليها الحاخامات ، بل إن سيطرة الكهنوت اليهودي ثلاثة آلاف سنة لم تنجح في تحقيق ما حققته الحركة اليهودية السياسية ، المعروفة باسم الصهيونية في أقل من مائة سنة ..

فهي حركة يهودية

واسمها يهودي

وبرنامجها يهودي

وفلسفتها ومبرراتها وشعاراتها مستمدة من الدين اليهودي ، وهي تعتمد بالدرجة الأولى على ” الإيمان اليهودي ” ولكنها حركة سياسية ناجحة لأنها استطاعت أن تطرح ذلك كله في الصيغة الحضارية التي جندت تحت أعلامها اليهودي الملحد واليهودي المؤمن ..

ولكن يبدو أننا لا نريد أن نتعلم من إسرائيل إلا كراهية الفلسطيني والحرص على إبادته ..!

ولو استطاع الأفغاني أن يشكل المؤتمر الشرقي أو حتى الإسلامي ، من خلال الصيغة السياسية التي طرحها ، ولو وعى تلاميذه هذه الصيغة ، أو قل لو أخلصوا لها ، لربما تغير تاريخ الشرق ، ولوجد تلاميذ المؤتمر الصهيوني أندادا لهم .. ولكن ” هيرتزل ” ورثه غولدمان وبن جوريون ومناحم بيجن وكلهم التزموا بالصيغة الصهيونية .. اليهودية الحضارية .. اليهودية السياسية ..

أما الأفغاني المسكين .. والعظيم ، فإن بعض تلاميذه فهموا الصيغة السياسية على أنها التخلي عن الإسلام ، كما فعل سعد زغلول ، وسائر العلمانيين .. ولكن هؤلاء لم يصل ضررهم إلى ما سببه محمد عبده وداعيته رشيد رضا .. لأن ” الشيخ الإمام المفتي ” .. لأسباب معروفة طلق السياسة ويسوس وساس .. إلى آخر القصة المعروفة ، ولم يكن أمامه إلا التشبث بالجانب الديني في شكل بحوث فقهية ومناقشات وحوار مع غير المسلمين .. الدفاع عن ” الإسلام ” بدلا من الدفاع عن ” المسلمين ” .. الجهاد في الرد على ” المتكلمين ” ضد الإسلام ، عوضا عن الجهاد ضد الغازين المستعمرين لبلاد المسلمين .. وهذا هو الفكر الذي بقي من الأفغاني وكان من الطبيع أن يستمر التقلص والتحوصل ، وتظهر الطائفية ، والشكلية ، والمظهرية .. إلخ .

وبعكس الطابع العالمي لنشاط الأفغاني واهتماماته ، نرى هذه الحركات الإسلامية عجزت حتى عن تشكيل حركة على المستوى العربي ، بل تعددت بتعدد الأقطار وحملت الكثير من بصمات المناخ السياسي والطائفي في هذه الأقطار .. وهي إذا كانت لم تتخذ الشكل الطائفي ، فإنها لم تنجح في إلغائه ، بل سقطت في أول جولة لها مع الطائفيين .. وصحيح أن نشاط الأقليات الطائفية قد انتهى بإضعاف قدرة مجموع الأمة على المواجهة الحضارية ، بل أيضا أفضى إلى خسائر فادحة للطائفية ذاتها ن سواء بعزلتها عن الأغلبية ، وحركة التاريخ ، واتهامها بالخيانة والسلبية أو لأن العدو بعدما حقق غرضه من إثارتها وتحريضها ، لا يبالي بمصيرها ، بل يحاول التودد للأغلبية بالتنصل من طموحات هذه الأقلية وما تكون قد ارتكبته من أخطاء في حق مواطنيها .. في ظل غواية العدو وحمايته .

ومع ذلك فلا يمكن تحميل كل اللوم لهذه الأقليات ، ما دامت الأغلبية جعلت الإسلام قضيتها الخاصة ، وسدت المنافذ أمام مشاركة هذه الأقليات في تقرير مصير الوطن وتحرير الأمة .. أو أعطتها مكان ” المرتزقة ، كما يفعل المودودي رحمة الله عليه !

وقد حدث في أعقاب هزيمة 1967 مااصطلح على تسميته ” بالصحوة الإسلامية ” وكان الظن أن انتصارها سيكون في الجانب العربي من الوطن الإسلامي ، بعدما انهارت النظريات القومية المعادية للدين أو التي تتخذ منه موقفا سلبيا ، وعلى ضوء الانتصار ” اليهودي ” وبدا أن الصحوة تأخذ الصيغة الأفغانية ، أي الإسلام السياسي ، من خلال عناصر لم تكن يوما في صفوف الحركات الدينية ، ولا يمكن إدراجها في قائمة رجال الدين .. وهنا هبت القوى التقليدية ، تهاجم الأفغاني ، وتهاجم الإسلام السياسي ، وتشكك في إيمانه مستدلة بالمسلكيات الدينية ، ولحق بها العلمانيون المشبوهون يشككون في إخلاصه السياسي ..

والهدف المتفق عليه بدون اتفاق ولا سابق تلاق .. هو منع تبني صيغة الإسلام الحضاري ، الصيغة التي يقبل بها المواطنون على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأصولهم العرقية ، يقبلون الإسلام كهوية حضارية تجمعهم جميعا وتميزهم جميعا في نفس الوقت .

فهو التاريخ وهو الثقافة وهو بطاقة الهوية وهو الخيار الحضاري الوحيد .. ولكنها ليست صيغة دينية فقهية .. لأنها كما قلنا تتسع لغير المسلمين وإن كانت تعتمد على الإيمان الإسلامي ، وستؤدي إلى تحرير وعزة الإسلام ..

( من كتاب : ودخلت الخيل الأزهر/ محمد جلال كشك /ط3/1990/ الزهراء للإعلام العربي /497-508)

تحت تصنيف فقرات من كتب جلال كشك | تعليق واحد »

مقدمة كتاب “الحوار أو خراب الديار”

6 February, 2009 بواسطة keshk

مدخل صدق..!

في كتابي ألا في الفتنة سقطوا الصادر في يناير 1992 والمكتوب قبل ذلك التاريخ بالطبع قلت بالحرف الواحد: إن عناصر مأجورة عن وعى وعناصر تحركها أحقاد رخيصة وعناصر تتبع كل ناعق,

تسيطر على أعلامنا وتجنده لمحاربة الإسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها غير محققين من هدف إلا إزالة دور مصر وزعامتها للعالم الإسلامي, بل وعزلها عن المسلمين…

        ولكن لمصلحة من ؟!

هذا هو السؤال الذي نعرف جوابه جيدا.

وهذه العناصر تستغل أعمال التطرف التي تقوم بها جماعات مشبوهة لا نستبعد أن تكون تحت سيطرة عناصر غير أسلامية, تحرك هذا الذي يسمونه النشاط المتطرف للإسلاميين, وبذات الجانب

الارهابى منه, ولكن هذا لا يعفى الإسلاميين من المسئولية على الإطلاق.. وقد كتبت مرة أنه لم تقع حادثة اغتيال واحدة من قبل المسلمين في مكة قبل أن تعلن الدولة الإسلامية في المدينة, وأنه ما لم

يقم الدولة لا يحق لأحد ممارسة الإغتيالات الفردية. وبعد أن أفضت في تفصيل ذلك قلت: ولا أريد أن أطيل لأن تبذل فقهاء السلطان يجعلنا نتحرج من هذا الضرب من النصح, وننصح أو نحاور

جماعة تقتل رميا بالرصاص بلا ألا إنذار وتسلط عليها أحط وسائل الأعلام لتشوية حتى حياتها الخاصة حرفيا ص8

فموقفنا سابق على حادثة الاغتيال الأخيرة( يقصد اغتيال فرج فودة ), نعم موقفنا بشقيه: استنكار الإرهاب والاعتقاد الثابت بأنه أكبر خطر على ال، منذالأسلامى, فلم نتخذ هذا الموقف تقية ولا

فزعنا من صيحات الحرب التى انطلقت من أعداء الإسلام وكأنهم كانوا على موعد مع الحادث لاستغلاله فى شن حربهم الصليبية، ضد كافة أشكال التعبير الأسلامى، بل أن الذى يقرأ بياناتهم ويسمع أهازيجهم

يظن أنهم كانوا فى إنتظار الحادث أو حتى دبروه تدبيراً!وليست هذه أول مرة تدبر فيها قوى متآمرة حادثا من هذا النوع لتستغله فى التنكيل بخصومها أو تنفيذ مخططها المعد سلفا، منذذ حادثة المالطى والحمار

التى إتخذها الأسطول البريطانى المصوب مدافعه مبررا لضرب الإسكندرية 1882 واغتيال السير لى ستاك سنة 1924 التى استغلها الإنجليز لتقديم مطالبهم المعدة سلفا والإطاحة بحكومة الوفد، وأخيرا

إطلاق النار على السفير الاسرائيلى فى لندن لتبرير احتلال بيروت…

المهم إننا استنكرنا وأدنا الإرهاب قبل أن يكشروا عن أنيابهم فلم نفعله تقية ولا رعبا ولا تغطية، فنحن والحمد لله لا نخفى غير ما نعلن، ومواقفنا معروفة منذ عشرين سنة.

ونفس الشئ عن موقفنا من هؤلاء الشباب، فنحن نعتقد أن القاعدة العريضة شريفة القصد سليمة النية، تعانى من شعور بالحصار على جميع المستويات، بل شعور بالفناء يهدد دينها وهويتها، وأمتها، شعور

بأنها تعامل كأقلية منبوذة فى فى مجتمع يقوم على القهر وإنكار حقوق الأقليات، يعتدى على كل مقدساتها ومقومات شخصيتها، بحيث لم يبق من وجهة نظرهم إلا الذبح لاستأصلهم!

هناك هجمة عالمية على الإسلام والمسلمين، بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة أوروبا وروسيا، تنفخ فيها وتؤجج نارها إسرائيل، فتعبير اصولى هو ترجمة كلمة fundamentalist وهى

كلمة صكت فى معامل الغرب وراجت وذاعت بعد نجاح الثورة الإسلامية فى إيران، وهى تعنى فى القاموس الغربى الإسلام الثورى أو الإسلام المعادى للغرب أو الإسلام المعادى لإسرائيل أو الإسلام

الرافض للأوضاع السياسية والفكرية فى بلاد المسلمين، وهى تعنى ذلك كله.

وقد قام المسلمون بحكم تخلفهم بترجمة الكلمة إلى الأصولية واشتقوا منها الأصوليين وأصبحت رمزا على الحركات الإسلامية النشطة أو قل المشتغلة بالسياسة وشاع استعمال الكلمة وأصبحت مقبولة من

الإسلاميين وخصومهم.. وحلت الكلمة الجديدة فى قاموس الإعلام الغربى محل الكلمة التى سادت قرون الاستع، ولمالقديم وهىfanatic التى ترجمت وقتها بالتعصب والمتعصبين، وكان أول من

استخدمها هم رجال الحملة الفرنسية فى وصف أو قل التشهير بالمقاومة المصرية للاحتلال الفرنسى، ثم شاعت وذاعت فى وصف المقاومة من جانب الشعوب الإسلامية للغزو الاستعمارى الاوروبى الغربى

والروسى، فالمقومة الهندية للاستعمار البريطانى يشنها المتعصبون والحركة الوطنية بقيادة عرابى ومصطفى كامل بل وسعد زغلول كلهم”فاناتك”أو مسلمون متعصبون!لان الإنسان السوى غير المتعصب

يكون سمحاً شاكراً نعمة خضالأوروبيين فهملمتحض، ولماا كان من غير المعقول ولا المقبول أن يكون الإنسان الملون فى آسيا وأفريقيا يحس أو يتحرك بدوافع وطنية مثل المسيحى الأبيض، لأنه لا يمتلك هذه

المشاعر السامية وما ينبغى له، فلا بد أن يكون هناك دافع شيطانى مرضى(من المرض)يدفعه لهذا السلوك المعيب، وأى مرض أسوأ من التعصب لدينه الباطل والدموى!ورغم أن أول تسميه للحرب بالدينية

والمقدسة جاء من هؤلاء الأوروبيين فهم الذين اخترعوا تعبير الحروب الصليبية و”holy war”إلا أنهم بكل صدق وطهارة الحضارة الغربية جعلوها من اختراع وصفات المسلمين وحدهم،

فالأحرار فى أوروبا يستشهدون دفاعا عن حق تقرير المصير البولندى واليونانى وهم بأشخاصهم يعذبون ويقتلون المسلم فى آسيا وأفريقيا إذا طالب بنفس الحق!

إلخ.أصبح الوطنى المسلم متعصباً، والذين يقاومون النشاط التبشيري الذى يحول المسلمين إلى المسيحية هم مسلمون متعصبون متخلفون يجب أن تضربهم قوات أوروبا المتدينة المتحررة تمكيناً لرجال الدين

المسيحيين من هدايتهم وتحريرهم وتخليصهم من تعصبهم للإسلام لكى يتعصبوا للبروتستنتية والكاثوليكية…إلخ. .

وكان عملاء روسيا قد تولوا محاربة الإسلام خلال الحرب الباردة، فلما سقطت الشيوعية وأتت بها الصهيونية منقادة إلى مربط الغرب، تناقش صانعو السياسة الغريبة علناً عن حتمية البحث عن عدو يحل محل

الشيوعية التى كانت توحدهم وتعبئ طاقاتهم أقل تمثل التحدى الحضارى والقومى الذى بنى عليه المؤرخ البريطانى توينبى نظر يته في تفسير التاريخ، وقد شرحنا هذه النظرية فى كتاباتنا منذ كتاب “القومية

والغزو الفكري “الصادر عام 1966 وقلنا إننا نواجه تحدياً غربيا تشكل إسرائيل كتيبة صدامه، وإنه لا يمكن تحقيق بعث ولا تقدم حقيقي إلا إذا عشنا هذا التحدي الحضاري، ولكن عملاء إسرائيل

والمخابرات الأمريكية والروسية والفرنسية، بذلوا كل جهد ممكن، وما أكثر ما أتيح لهم من إمكانيات، لكي يعموا عيون الشباب عن هذا التحدي، وبشروا بوحدة الحضارة وحرية الاندماج في الحضارة العالمية

السائدة، بينما سادتهم يرفضون هذا المنطق ويصرون على حتمية الانقسام الحضاري وحتمية التحدي ومواجهته لمن أراد الحياة، واتفقوا على أن الإسلام هو العدو الطبيعي، والمطلوب الذي تحقق محاربته

الأهداف المرجوة.

ورغم الإعلان عن هذه الحرب وهذا الاختيار إلا أن بعض “الحكماء العملاء ” يصرون على توعيتنا بأنه ليس صراعا دينيا، بدليل أن الناس في أمريكا وأوروبا ليسوا متدينين !وهم يرفعون شعار التحذير

من الإسلام لأهداف دنيوية وليست دينية !وبعضهم اقتصادية.توعية اقتصادية.ة في البوسنة ليست دياقتصادية.ية أو اقتصادية..الخ!وبعضهم اشترط إلا يستنكر المذبحة إلا إذا تنازلنا عن وصف

شعب البوسنة بالإسلام ووافقنا على حذف أية إشارة للإسلام مع أن حكومة بلغراد تعلن أنها تنقذ أوروبا من خطر قيام دولة مسلمة أصولية، وجميع التحذيرات والتحليلات الصادرة من واشنطن وعواصم

أوروبا تعلن حربها ضد الإسلام والأصولي بالذات، ورئيس إسرائيل يطوف أوروبا يحذر من الإسلام الأصولي ويطلب أن تندب أوروبا إسرائيل لضرب هذا الإسلام الأصولي.

ونحن نعرف أنه حتى الحرب الصليبية التي نادى بها البابا وقاد أولى حملاتها راهب، وكانت ترفع راية الصليب، حتى هذه الحرب يمكن القول انه كان لها أسبابها غير الدينية وان الحرب العالمية الثانية لم تكن

تدور حول حقوق الإنسان وإنما على تقسيم المستعمرات وأسواق العالم، ولكن عندما يعلن خصمك انه يحارب الإسلام والمسلمين تغدو بلاهة منك أن ترفض استنفار المسلمين للدفاع عن أرضهم، ويغدو من

الصعب بل المستحيل منع المسلمين أو بعضهم من الإحساس بالخطر والتحرك للدفاع عن النفس ولو بغريزة حب البقاء التي تحرك حتى العجماوات.

وهناك بالطبع عوامل عديدة لاختيار الغرب للإسلام بالذات كعدو، أهمها استمرارية المواجهة بين الغرب والعالم الأسلامى، استمرارية التطلعات الاستعمارية عند الغرب واستمرارية القابلية للاستعمار عند

المسلمين، فإذا كان بترول العلم القديم كله في ارض المسلمين، فان هؤلاء المسلمين هم وحدهم تقريبا الذين لم ينجروا الثورة الصناعية والذين لم يدخلوا القرن العشرين، ولذلك فهم لا يمتلكون وسائل الدفاع عن

أرضهم وثرواتهم وهويتهم، وهناك العنصر الاسرائيلى الذي يعتبر البعث الأسلامى هو اخطر ما يهدد أحلام وطموحات إسرائيل الكبرى، فإسرائيل تؤجج العداوة للإسلام وتجند الغرب في معركتها ضد

المسلمين، ولكنها لا تفتعل ذلك ولا تخلقه خلقا بل تستثمر عداوة موجودة، وتطلعات تدعى للغرب أنها أفضل من يحققها، وهكذا أصبحنا نرى كل من يريد أن يتقرب لأمريكا أو الغرب يرفع راية ضرب الإسلام،

من عميل الروس في كابول الذي نقل الأعلام الامريكى أخر وجهها قبل فراره من قصاص الشعب، إلى الرئيس بوش يقول فيها:ادخرنى لعدوك..أو كما قالت الواشنطن بوست:عرض استخدامه من قبل

أمريكا ليكون الصخرة التي تعترض المد الأسلامى في أسيا !”

إلى عصابات الصرب أعداء الإنسانية الذين يظهر قائدهم على شاشة التليفزيون الامريكى يقول:”أنهم مسلمون ونحن نحاربهم باسم المسيحية، أنها الحرب الصليبية للقرن العشرين، وأوروبا معنا ولكنها

منافقة”

وتنقل نيوزويك (31اغسطس 1992)عن دوسان سيميك زعيم الصرب في كوسوفو قوله:”الصرب حاربوا هنا لإنقاذ أوروبا من الإسلام ومازلنا نحارب لمنع الإسلام من الانتشار في قلب أوروبا”

ويقول بول جوبل مستشار شئون القوميات الروسية في وزارة الخارجية الأمريكية:”إن الصرب يحاربون لمنع خضوع المسيحيين للمسلمين وهو الهدف الذي يلقى تجاوبا واسعا مع مشاعر الكثيرين من

الروس في الاتحاد السوفيتي”

وعندنا يسف أنصار بلغراد في دفاعهم عن الصرب وان تظاهروا بأنهم ضد الحكومة الشيوعية هناك وضد مذابحها بعدما فضحناهم-ويحتالون لتبرئة ساحتها وشد أزرها ليس فقط بادعاء إن الحرب ليست

دينية وليست موجهة ضد المسلمين بل يتطوع احدهم باتهام المسلمين بشنها فيقول”أنها حرب أهلية تطالب بالحرية وإسقاط الشيوعية “ويخشى إلا يكون ذلك كافيا لتبرئة ساحة سفاح بلغراد الذي وصفه

بالشيوعية، ولا يعقل إن يكون هو الذي شن الحرب على نفسه للقضاء على الشيوعية بل يشنها المسلمون ضده طلبا للحرية!يعود يكرر نفس الدس والاتهام الرخيص فيقول”هي حرب بين الشيوعية

والديموقراطية للقضاء على الأولى ونشر الثانية”اى والله هكذا يتكلم من يحرص على إن يسبق اسمه دائما لقب سفير لعله يعتقد إن ذلك يكسب كتاباته الحصانة!من الذي يريد القضاء على شيوعية من حدده

هو بالاسم “سلوبدان ميلوسيفتش الملحد وأخر زعيم شيوعي “من الذي يشن حربا للقضاء على الشيوعية ونشر الديموقراطية؟ البوسنة طبعا!

     إلى هذا الحد يسفون في عداوتهم لمسلمي البوسنة!

أولا هي ليست حرب أهلية, لا يعقل أن نصف ضرب الجيش الروسي لأذر يبجان أو الرومان أو الأوكرانيين الآن بالحرب الأهلية, فقد كانت هناك دولة اتحادية وتفككت وأعلنت ثلاث جمهوريات

استقلالها وأعترف بها دوليا ومن الأمم المتحدة التي يرأسها غالى صديقه, ومن ثم أصبح من الفجور والعدوان السافر وصفها بالحرب الأهلية إلا إذا كلن يروج أحط أكاذيب بلغراد عن أنها ليست مسئولة

عن القتال تلك الأكذوبة التي لا يصر عليها الصرب أنفسهم !

ثانيا البوسناويون لم يشنوا حربا للقضاء على الشيوعية ولا اخترقوا حدود صربيا ولا شأن لهم بالنظام الشيوعي هناك, ولا حاولوا نشر الحرية في صربيا والجبل الأسود بل كل ما طالبوا به هو احترام

استقلالهم, وقد نزعوا سلاحهم في البداية ورفضوا التسليح تجنبا للحرب فصمم الصرب على أزالتهم تحقيقا لصربيا الكبرى, ألم يسمع السفير عن سياسة الإبادة العنصرية أو التطهير العنصري ؟ هل

لأن القتلى مسلمون لا يجوز أن نتضامن معهم ؟1 وهب أنها حرب جنسية مثل حرب طراودة نشبت لأن صربيا يعشق مسلموالإنسانية.ذلك من أن نتألم للمسلمين الذين يبادرون ؟ هل نرتكب جريمة إذا

استصرخنا المسلمين لنجدة إخوانهم في الدين والإنسانية.. ما هذا الاستفزاز الرخيص والوقح ؟!

وتكشف لنا الصحف أن أول من تعاون تم بين الأمريكان والروس الجدد كان ضد المسلمين و على يد يهودي !فالغرب يخشى تحرر المسلمين وقوتهم, كما كان يخشى انبعاث القومية العربية في الخمسينات,

لأنها كانت تعنى إخراج النفط العربي من سيطرته, بل وكما حارب الليبراليين في مطلع القرن, لأنهم أيضا كانوا يشكلون ولو محاولة فاشلة لإنهاض الأمة, كذلك يخشى الغرب نفس البعث تحت راية

إسلامية, بل وخشيته أشد لأن ساحة المواجهة تصبح أكبر؛ ولأن خبرة الغرب تؤكد لهان حركة وطنية معارضة للسيطرة الأجنبية تحت راية الدين, والإسلام بالذات, هي أكبر وأقوى وأخطر واقدر

على النجاح من أية حركة أخرى.. 

روسيا العدو التاريخي للإسلام والتي لم يجد جورباتشوف ما يتوسل به للغرب إلا التذكير بدور روسيا التاريخي في الدفاع عن المسيحية في مواجهة الإسلام, وروسيا التي أقامت إمبراطوريتها على أشلاء

الممالك الإسلامية في آسيا الوسطي منذ سقوط قازان في مطلع القرن السادس عشر حيث أجبر القيصر ايفا ن الرهيب أميرها المسلم على التنصير بتعميده في مياه الفولجا المتجمدة تحت أشرافه, كما أشرف

القيصر على تنصير ابنة الأمير الأسيرة وضمها إلى حريمه, روسيا التي كانت إلى ما قبل شهور تسيطر على أكبر عدد من المسلمين وأكبر مساحة إسلامية لا تريد أن تتخلى فعليا عن مستعمراتها الإسلامية

الغنية بالنفط واليورانيوم. روسيا التي استولت على إمبراطورية التتر في شبه جزيرة القرم وشتتت شعبها المسلم فلم يبق في وطنهم تترى واحد, تخشى أي انبعاث أسلامى يخرج الجمهوريات الإسلامية

من نفوذها, بل ويطرح مطلب تصحيح التاريخ واسترداد ما أغتصبه ونصره وروسه القياصرة والبلاشفه.. ولذلك نرى روسيا الجديدة الديموقراطية يتسع انفتاحها لكل ما يطلبه اليهود, ولكنها

متعصبة ضد المسلمين والإسلام !

صيحة الإمبراطورة كاترين وإيفان الرهيب لإبادة المسلمين الوثنيين الشهوانيين ! أصبحت في عهد الجلاسنوت هي الدعوة لمقاومة الإسلام الأصولي .. الرجعى المتشدد والمتزمت.الخ..

وهذه مقالة بقلم الكاتب الأمريكي جيم هوجلاند كتبها بعد زيارة قام بها لموسكو وقد جعل عنوانها… معا مع موسكو في ميدان التخابر ولو صدق عنوانه مع مقاله لكان:معا مع موسكو في محاربة

الإسلام..!

ننقل بعض ما جاء فيها حرفيا: لم يكد بوريس يالتسين يستكمل السيطرة على مقاليد السلطة منذ ستة شهور حتى اختار إيفيجنى بريماكوف للإشراف على الاستخبارات الخارجية الروسية, وبريماكوف

هو خبير في شئون الشرق الأوسط ومتخصص في الأصولية الإسلامية أيضا, وقد تبين أن هذا التعيين تعبير واضح عما يعتقد يالتسين أنه الخطر الأكبر والعاجل على مصالح روسيا, فالخوف على

حدود روسيا الجنوبية من المسلمين هو الهاجس الذي يسيطر على الروس الآن, والذي حل محل الخوف من هجوم يشنه الغرب, ففي رحلة لي هذا الشهر لموسكو وجدت أن تطلعهم للتعاون مع الغرب في

تطويق الإسلام الأصولي يأتي في قائمة اهتمامات الروس قبل أي مخاوف من البنتاجون أو المخابرات الأمريكية.. فهل يا ترى ستتعاون أل س أي إيه (المخابرات الأمريكية) مع أل كي جى بي ( المخابرات الروسية) السابقة لمنع الاضطرابات في القوقاز ووسط آسيا والخليج الفارسي من الامتداد لروسيا ؟ هذا السؤال الذي سيعرف بريماكوف الجواب عليه إذا التقى مرة ثانية مع روبرت جاتس

رئيس المخابرات الأمريكية .

بريماكوف الصحفي والأكاديمي زمن الاتحاد السوفيتي كان من أوائل المتحدثين السوفيت الذين أعلنوا أن واشنطن وموسكو لهما مصلحة متوازية في محاربة الإسلام الأصولي في الشرق الأوسط وآسيا,

وبريماكوف وصناع السياسة في موسكو يحذرون من أن الحركة الأصولية إذا لم يكبح جماحها فقد تسبب الاضطرابات أو القلاقل أو عدم الاستقرار بين الأقليات المسلمة داخل روسيا وبين الشعوب الإسلامية

التي تسيطر الآن على الجمهوريات السوفيتية سابقا في وسط آسيا.

موسكو واشنطن تعترفان بوجد فراغ ( فراغ في التعبير الاستعماري هو عدم وجود سلطة مسيحية بيضاء مباشرة أو غير مباشرة ) في المنطقة الممتدة من القوقاز إلى الصين, ولكنهما تختلفان حول

المواجهة المطلوبة، فواشنطن تفضل ترك المجال للعلمانية التركية لمواجهة التأثير الايرانى، بينما تنظر روسيا لتركيا بعين الشك، وإذ كنا لا نعرف رأى بريماكوف عن دور تركيا إلا اننى لا أعتقد أنه يختلف

كثيرا عما قاله لي المستشار السياسي للرئيس يالتسين سيرجى ستانكفتش الذي قال:الغرب يرى في تركيا عضوا صغيراًفى الناتو، ولكن تركيا تسترجع طموحاتها وتعيد النظر في أهدافها ومصالحها، تركيا

بدأت تنمى موقفا مستقلا ونظرة مستقلة ومن الممكن أن ينشأ وضع تصبح فيه تركيا مركزا لاتحاد يمتد في وسط آسيا مما يشكل عامل خطورة جديد في العالم.

“ويعتقد مستشار الرئيس الروسي إن ظهور قوة ألمانية مدعومة من روسيا يمكن إن تتغلب على الأصوليين وتمنع في الوقت نفسه تدخل تركيا وإيران في دول الشرق الأوسط المجاورة لروسيا، إن آمال

المستشار في ظهور قوة ثالثة لاتزال مجرد تصورات ولكن تحليلة هو أفضل ما سمعت في موسكو حول المشكلة، والخلاف حول دور تركيا يلقى ظلاله حول إمكانية التعاون الدفاعي الامريكى الروسي ضد

الإسلام الاصولى “بحروفه “*”

* هامش : ذكرت جريدة الشعب أن بريماكوف يهودي ولم نستطع التحقق من الأمر

فالاتفاق قائم على مواجهة الإسلام، على ضرب أية محاولة لتحرر المسلمين وسيطرتهم على مصيرهم وبالتالي ثرواتهم، والتنسيق قائم، وإنما الخلاف هو حول أفضل الوسائل لذلك.

أمريكا ترشح تركيا عضو حلف الناتو الخاضعة تماما للنفوذ الامريكى والعدو التاريخي للروس، والتي تستطيع مزاحمة إيران قومياً.

وتركيا علمانية بالمعنى السوقي الذي طرحة كمال أتاتورك وهو محاربة الإسلام وحده، وليس بالمفهوم الغربي، الذي يعنى فصل الدين عن الدولة اى العودة لمفهوم المسيحية الأولى:أعطوا مال الله لله وما

لقيصر لقيصر…وان يكون الحكم للعلمانيين اى لغير رجال الدين وليس لهذه التسمية اى علاقة بالإلحاد ولا بالعلم، بل هو تعبير شائع في كل مهنة، فإذا تكلمت أنت في الطب ولست طبيبا فهذا كلام علمانيين،

كانت العلمانية في أوروبا تعنى إبعاد رجال الكنيسة عن الحكم اى الكهنوت، ورجل الدين الذي يؤمن ويلزم المسيحي إن يؤمن معه أن القس هو ممثل السلطة الالاهيه، فكان الهدف هو منع ممثل السلطة الالاهيه

هذا..من ممارسة الحكم، لأنه لايمكن تصور ديموقراطية إذا كان الحاكم يدعى الألوهية أو تمثيل السلطة الالاهيه، لان قرارت ممثل السلطة الالاهيه لا تناقش ومعارضتها كفر !ولذلك عزلت المسيحية

الحقة نفسها تماما عن قضايا الدولة، ولكن الكنيسة تطلعت للسلطة واستولت عليها باسم الله، وجاء الإسلام يسد الطريق على اى محاولة من هذا النوع بتجريد البشر كل البشر من اى أساس لادعاء الألوهية،

ومنذ وفاة الرسول صلوات الله عليه، ليس لبشر الحق في النطق باسم الله أو إن يحكم نيابة عن الله أو ممثلا للسلطة الالاهيه، ولا إن يضيف حرفا لتشريعات الله، وعندما قضى عمر بن الخطاب بحكم أعجب

مسلما فصاح:هذا ما قضى الله ورسوله!اغتم عمر ونهره قائلاً..لا تقل هذا بل قل هذا ما قضاه عمر..لا تجعلوا خطأ الرأى سنة الامة ،وبعد الف سنة قامت اوروبا تتطلع الى الاخذ بنظام الاسلام حيث

لا احد يمثل السلطة الالاهيه،مهما ارتدى من ازياء لان لا الالوهيه ولا السلطة الالاهيه يمكن ان تتجسد فى بشر ،انما يعرف الناس بالوحى وبالعقل حدود الله فينفذونها قدر اجتهادهم فيخطئون ويصيبون قدر

جهدهم .

وبزوال العصمة عن البشر واسقاط اى صفة الاهية او دينيه عن الحاكم امكن قيام الحكومة المسلمة او الاسلامية التى يقيمها المتدينون ،وليس رجال الدين ،التى تحكم بهدى الاسلام وفلسفته وليس بتفويض

إلاهى ،ومن ثم فكل قراراتها قابلة للخطأ او الصواب ،والامة هى الحكم ان شائت اقرت او قومت ولو بسيوفها، وهذا اقرت اسس الديموقراطية وبأية صيغة تختارها الامة.

ومن هنا ترى اى فجور واى فسق يرتكبه البعض فى بلادنا عندما يخلعون صفات المسيحية على ديننا ويخوضون حربا ضد السلطة الدينية والحكومة الدينية فى الاسلام !من هو رجل الدين فى الساحة

الاسلامية اليوم ؟ هل كان حسن البنا رجل دين او ادعى إنه يمثل السلطة الدينية وخلق علاقة مباشرة بين الانسان وربه ،ونهضة اوروبا التى تحققت على يد البروتستنت ثم الحركة العلمانية لم تكن اكثر من

اقتباس سيئ النية من الاسلام وليقرؤا اى كتاب فى البروتستنتية(قال الانبا غريغوريوس اسقف الدراسات العليا الاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمى :”ان الزواج هو رباط إلهى مقدس يجمع الله فيه

بين الرجل والمرأة ،ومن هنا لابد ان يتم هذا الرباط بمعرفة الكاهن ،بوصفه ممثلا للسلطو الالهية ،ولذلك يجب ان يكون الكاهن ملتحفا بملابسه الكهنوتية ،لانه يعقد الزواج ممثلا للسلطة الالهيه”

وقد ناقشنا ذلك كله فى تفنيدنا لفتنة “الحاكمية “.والغريب ان اولاد الافاعى ،اذا ما تكلم احد الشيوخ صاحوا :”لا كهنوت فى الاسلام”!وهو صحيح وان ارادوا به باطلا .

ولكن السؤال الذى يقفزون فوقه هو:فكيف يمكن ان تقوم حكومة دينية من اهل دين ليس فيه كهنوت؟!

وهكذا نجد ان تركيا ،السوقية العلمانية ،التى تعيش مؤسساتها حربا دائمة مع اى تطلع اسلامى ،ترشحها امريكا لغواية جمهوريات الاتحاد السوفيتى الاسلامية وجذبها بعيدا عن المدار الايرانى او الارتباط

بالعالم العربى ولو بحكم وحدة الدين .

اما روسيا فتخشى النفوذ التركى القومى على مستعمراتها ،ومن ثم تقترح ان تواصل هى المهمة التاريخية التى نفذتها بنجاح فى قهر الاسلام فى تلك الجمهوريات وعزلها عن العالم ،وذلك من خلال قوة عميلة

تشكلها روسيا وتديرها لاستئناس المسلمين ..وفى نفس الوقت ضرب اى محاولة للتحرر الاسلامى خارج مناطق نفوذها للخطر الذى تمثله بحكم تاثيرها على هذه المناطق.

ومن هنا نرى انه لا خيار لنا ..فعندما يقرر الطرف الاقوى انك العدو ويجند قواه لمحاربتك لا تستطيع الا ان تدافع عن نفسك ،انها معركة مفروضة علينا شئنا ام ابينا ،وهى لا تهدد المسلمين الاصوليين

وحدهم بل تبدأبهم وتستهدف سحق واخضاع كل من يحمل اسما اسلاميا او كل من يسكن ارض المسلمين ،ولا يوجد مسلمون اكثر عزلة عن دينهم من مسلمى الدول الشيوعية ،وها هم يبيدونهم بالكامل لايميزون

بين اصولى وعلمانى او ملحد شرس الالحاد ما دام ينحدر من جد مسلم !

المسلم عندنا لابد انه يسمع انباء هذا التربص به والتعاون ضده ،ولا بد ان يهب للدفاع عن نفسه ،ولابد ان يربط بين هذه الاهداف المعلنة للدول الاستعمارية الكبرى وبين الحملات التى تشن فى بلادنا على

الاسلام والمسلمين ،وبالذات التى تحرص على وصف كل نشاط اسلامى ،بالاسلام الاصولى او السياسى او المتطرف ،وكلها الفاظ او تسميات صكت فى ترسانة العدو ..كيف يمكن اقناع المسلم بأن ذلك هو

مجرد تواتر خواطر !

فى ظل تقدم وسائل الاعلام يعرف المسلم ان العالم كله يعيش ازمة سياسية وعسكرية مع الاسلام ،بينما تتربع فى صحفنا وإذاعاتنا شخصيات وثيقة العلاقة بالغرب تؤكد لنا ان عصر الاديان قد انتهى ،وانه لا

احد يهتم بالدين الا المتطرف ،وانه لا علاقة للدين بالسياسة !

كيف يصدقهم المسلم ؟!كيف لا يشك فى نواياهم ..؟!

المسلمون وحدهم يذبحون من بورما الى البوسنة .. وهؤلاء لايحتجون ولو من الناحية الانسانية ،بل يدسون الملح فى جرح المسلم بالاصرار على الاعتذار للقتلة ،والتأكيد بخطأ اعتبار ذلك عملا موجها ضد

المسلمين !

مدافع الصرب دكت ثم ازالت بالبولدوزر اقدم مسجد فى اوروبا كلها !ولم يحتج منهم احد!

حكومة ولاية اوتار براديش الهندية تستولى عام 1986 على مسجد بابارى الذى بناه المسلمون فى القرن السادس عشر وتفتحه للهندوس للصلاة فيه وانف المسلمين فى الرغام وتعدادهم يفوق تعداد مسيحى العالم

الاسلامى كله عشرين مرة ! ثم فى 1990 تأمر حكومة الولاية بهدم المسجد لكى يبنى الهندوس على انقاضة معبدا للإله راما ويبدأ كهنة الهنوك الهدم وهم يرتلون اغانى تمجيد الاله راما (نيويورك تايمز

26/7/1992)الذى نصرهم على اله المسلمين !

“البوليس الهندى قتل 1150 من المسلمين فى كشمير التى يشكلون فيها اكثر من ثمانين فى المائة “عشرات الالوف من الجنود المسلحين اجبروا الناس على انزال الاعلام الخضراء الاسلامية فى الاحياء

الفقيرة ،وقال ضابط بوليس كبير :ان كانوا يمتلكون الشجاعة فليخرجوا لى هنا فى الشارع الرئيسى “.

جماعة الحرية والتقدم والعلمانية لا وقت لديها لكى تتألم لذلك لأنها منشغلة بإلغاء القرار الهمايونى ومنع الشيخ الشعراوى من تفسير القرًًآن ومنع المسلم من ان يعتقد ان دينه هو الصحيح .

هل فكر احد فى مشاعر المسلم العادى وهو يرى بهائيا دينه مخالف للقانون رسميا، ومع ذلك يتمتع بصفحتين كاملتين فى مجلة كبرى ولا يكتب حرفا.. حرفا..حرفا .. واحدا فى استكار ابادة و

تشريد اربعة ملايين مسلم فى البوسنة ،بل ولا عن مأساة مسلمين فى اى مكان فى العالم؟!

كل هذا الحقد فى قلبه على الاسلام ثم يمكن من مهاجمة المسلمين والمطالبة لمنع العوى للاسلام ؟! ماهذا الذل ..؟!

وما هو رد الفعل عند المسلم اذا قرأ فى مجلة قومية كبرى ( يقصد مجلة المصور ) افتتاحية عن المسلمين تصفهم بأنهم “خارجون من ظلام العصور الوسطى”، وفى نفس العدد يمتدح كاتب لاهو مسلم

ولا هو قبطى ووصف نفسه بإنه صبى مبشر ،الدكتور لويس عوض لكفاحه ضد ما أسماه “ازمة الارتداد الى عصور الانحطاط ،تحت استار الصحوة الدينية ” والعصور الوسطى المقصودة هى عصور

ازدهار حضارتنا ! وعصور الانحطاط التى تدعو لها الصحوة الدينية هى الاسلام ! الشاب الذى يقرأ ذلك فى ابو قرقاس ، وليس لديه فرصة للرد فى المصور ةالاهرام حيث يكتب هؤلاء بإفراط، هل

نلومه اذا انفعل ضد من يسب دينة وتاريخة ! واذا كنا نلوم صعيدى نصف متعلم على تعصبه فماذا نفسر موقف الذى يسبق اسمه لقب دكتور ةاذا كنا نتحدث عن فتنه ودور اسرلئيل ةالمخابرات الامريكية

فى صناعة هذه الفتنة فهل نستطيع ان ننسى اسم الكاتب كان مندوب مجلة حوار( يقصد غالي شكري ) التى كشفت تحقيقات الكونغرس أنها تصدر عن المخابرات الامريكية؟!

كيف يراد من المسلم أن يصدق جديتهم أو حيادهم ؟!

المسلم يرى عملية الإفناء تمتد فى ثلاث قارات ثم تزحف إليه فى عقر داره , فهو يرى أجهزة التبشير تعمل جهارا نهارا على تنصير أطفالنا وشبابنا وفتياتنا وهو عدوان على الدين , على الكرامة ,

على العرض,علىالهوية ,هو تهديد بالأبادة .

    أسرائيل منعت التبشير وطردت المبشرين الامريكان ,ومصر لا تستطيع رغم أنها تضم أقدم كنيسة فى العالم ولا تحتاج لآى نشاط أمريكى أوكندى لكى تتعرف على المسيح !

نحن نعترف بوجود اقلية مثقفة متحضرة متمدينة متفتحة لا تبالى بهذه المسائل ولا يهمها على أى دين كان مصرعها , ولكن المتخلفين الصعايدة يهمهم هذا الامر جدا ,وإذا أعتقدوا أن الدولة عاجزة عن

حماية دين بناتهم أوغير مهتمة ,لجأوا للدفاع عن النفس بالتجمع واللجوء للتنظيم ورد التفوق الساحق للمبشرين فى المال والأغراءات ,بعزل أولادهم وبناتهم ولو بالسلاح .

 ففى أعتقادنا أن الحركة الأسلامية هى فى أحد جوانبها دفاع غريزى عن النفس ضد ما سماه الأستاذ إبراهيم نافع نفسه مؤامرة ضد المسلمين ولو أنه طرحه فى صيغة سؤال ..

ومن جانب آخر هى بحث عن حل يحفظ الهوية ويطلق طاقات الجماهير فى أخر فرصة للخروج من عالم المتخلفين قبل أن نتحول الى حيوانات يطعمنا عالم الأغنياء للحصول على قطع غيار آدميه !

ومن ثم فقد تصدينا للهيستريا المغرضة التى شنها البعض لأستئصال الأسلامين , ودعونا للحوار لمعرفة نقط الخلاف وأسلوب معلجتها وتحقيق ما يمكن تحقيقه بل ما لا مفر من تحقيقه إن اردنا حماية الديار

, وما كانت هذه الدعوة ليقبلها الذين يعملون بدأب لشطب دور مصر من خريطة المنطقة التى كفوا عن تسميتها بالعربية!

 وكنت منذ ما يقرب من العام ، قد عدت للكتابة فى الصحافة المصرية بعد انقطاع لا من جانبى بالطبع ، ويشهد الله انه لم يكن اساسا من جانب السلطة المصرية بل بفعل الفساد وسيطرة الجهل والانانية

والمصالح والعناصر المشبوهة ، وبعض الحكومات العربية ، التى ابعدتنى عن الصحافة المصرية والعربية معظم سنوات عمرى ، فحتى فى زمن عبد الناصر لم يصدر من جانبه اى قرار بمنعى من الكتابة ،

ولكن فعلها الشيوعيون وعملاء المخابرات والصحفيون الفاشلون الذين لم يكن يسعدهم ان يقارن الناس بين كتابات المجيدين ،والهبل الذى ينشرونه ، ولعل القارئ سيدهش لاننى احترفت الكتابة السياسية اكثر

من 45 سنة ويعتقد الكثير انه لو عد عشرة من افضل الصحفيين فى العالم العربى فأنا منهم ، ومع ذلك لم اكتب بأنتظام فى الصحف الا لفترات لا تزيد عن العامين فى كل مرة ولا تزيد فى مجموعها عن عشر

سنوات وفى المره الاخيرة فصلت من مجلة قومية ( أظن – والله أعلم أنها مجلة أكتوبر .. إلهامي ) بناء على مكالمة من سفارة عربية للمسئول عن المجلة الذى فضل منافعه مع هذا البلد عن

شرف الكلمة وشرف الصحافة، ومع ذلك فلا يجوز اعفاء النظام تماما من المشئولية،فهو الذى مكن هذه العناصر من الصحف وحولها الى ما يشبه الوقف او النظام الالتزامى المملوكى فلم يعد هناك مالك حقيقى

للصحف يهمه ان يستقطب الاقلام الناجحة،وقد رأيت المرحوم احسان عبد القدوس فى فترتين ،فترة ملكيته للمجلة حيث كانت الاجادة فى الكتابة هى المعيار الوحيد فى اختيارة للمحريين مهما كانت عواطفه

نحوهم،وهى الفترة التى استكتب فيها بهاء وصلاح حافظ وصلاح عبد الصبور وممدوح رضا وسليم اللوزى وجلال كشك …ألخ

ثم عندما عينوه طرطورا على المؤسسة واصبح وجوده رهن باصوات عمال المطبعة فعين حتى محمود المرائى وحرمه مشرفين على التحرير لانهما يستطيعان مزاحمة ممدوح رضا على اصوات العمال!

وقد عدت للكتابة فى ظروف وبمبادرة لا اريد التكلم هنها الان .. واثارت مقالاتى رغم موضعها وحجمها ردة فعل واسعة، لا لسبب الا لانها قالت ما تحرص القوى المشبوهة على منع نشرة ،وما تخشى

الاقلام المخلصة قوله صراحة ..وأنا قد ألزمت نفسي منذ أول سطر كتبتة في الصحافة عام 1946 إن أقول ما اعتقد، فلما حاولوا استثمار حادثة الاغتيال وشل الرعب السنة الجميع واندفعوا في هستيريا

الترويع، فوجئوا بمقال صغير في صفحة بريد القراء يتحدى ذلك كله، وانطلقت تمهيده ارتياح من المصريين المخلصين وصيحة رعب من المتأمريين سمعتا في كل مكان.. فقد قيلت كلمة الحق في إعلام

جائر !

كل الذي حدث اننى قلتها في الصحف كما اكتبها في الكتب وكما يريد الناس ان يسمعوها اتفقوا معها أو اختلفوا… وتفاعل هذا الصدى خاصة وقد لمس الناس الإخلاص فلم يستطع اى معارض أو حاقد إن

ينسبها لاى جهة ولا غامر احد بالرد عليها أو محاولة تفنيدها إلا الذي نشر تهديدا صريحا لي بالاغتيال ولم يهتم احد بمجرد سؤاله !

فوجئ الناس بمن يصرخ انتم عراه يا سادة ! انتم لا ترهبون احد! انتم لا تريدون خير الوطن بل انتم تريدون خراب الديار، وكانت المناقشة مع الأهرام التي يرد تفصيلها في هذا الكتاب، وقد طالب الناس

بأن اجمع هذه المقالات، فكان هذا الكتاب الذي ألخصه للشباب في هذه النقاط:

الوضع خطير على مستوى الوطن والشعب والهوية ولا بد من الدفاع عن ذلك كله.

إذا كانت هناك بعض القوى التي تريد خراب الديار فيجب التصدي لها بالدعوة إلى الحوار وليس بالإرهاب ولا بضرب النار.

إذا أعلنت السلطة عن حرية القول فيجب إن نقول كل ما نؤمن به، والى الذين يخافون من الحوار ويخوفون السلطات منه، اذكرهم بحكاية القط الرومي والقط البلدي.. قال الراوي:

دعا القط الرومي صديقه البلدي لزيارته في محلة المختار عند جزار خواجة، ولما وصلا صاح فيهما الخواجة وصيانة: أكسو بره ..أكسو بره ! وظهر الاقال:ط على وجه القط البلدي وقال

متعاليا: كيف نقبل هذه الإهانة ؟ وقيل بل قال:كيف تقبل هذا التسيب.. تعالى معي.. وذهبا إلى الجزار البلدي الذي ما إن وأهما حتى غمز لصبيه:ناوله !فقذف هذا بالساطور فأطار اذن القط

الرومي الذي هرول يشجب دما وهو يقول: مليون أكسو بره ولا واحد ناوله! فلنقل جميعا: مليون مقالة وألف سنة حوار ولا واحد: ناوله !

المنفى 31 أغسطس 1992                       محمــــد جـــــلال كشــــك

تحت تصنيف فقرات من كتب جلال كشك | لا تعليقات »

الديمقراطية التي يبشرون بها

6 February, 2009 بواسطة keshk

هذا رد للأستاذ جلال كشك على “الصادق النيهوم” وهو علماني عمل في خدمة النظام الليبي ،كتب النيهوم مقالا بعنوان : الافتقار إلى لغة الديمقراطية ، فكان هذا الرد من الأستاذ جلال كشك وقد عنونه بـ : في خدمة العسكر : محلك سر !

——-

في كتابي (طريق المسلمين إلى الثورة الصناعية) فسرت نكسة الحضارة الاسلامية وعجزها عن إنجاز الثورة الصناعية، وقد كانت منها قاب قوسين أو أدنى في منتصف القرن الحادي عشر. فسرت ذلك بالحروب الصليبية والاجتياح المغولي، وقلت إن من أخطر نتائج هذا الحدث تراجع طبقة المثقفين والتجار وتولي العكسر مقاليد الأمور في العالم الاسلامي تحت مبرر أولوية الدفاع عن الوجود، ولو على حساب الحضارة والتمدين أو التقدم. وهكذا تجمد المجتمع، وتحول المثقف من دور المفكر المحاور المطور للمجتمع، إلى نديم أو فقيه السلطان الذي يبرر ويحلل وينظر لحكم العسكر ثم حكمتهم! وتتابع التراجع والانهيار، وحتى عندما جاءت الهبة العثمانية التي رفعت راية المسلمين على أسوار فينا، ورغم المستوى الثقافي الرفيع الذي كان لأوائل سلاطينهم إلا أنهم بحكم الروح العسكرية التي كانت تسيطر على العالم الاسلامي كله رأوا الخطر عليهم من ظهور قيادة مدنية تركية لا شك أنها وحدها كانت القادرة على إقامة المجتمع التجاري المنفتح، والسفر إلى أعالي البحار لمزاحمة تجار غرب أوروبا في العالم الجديد، ثم إنجاز الثورة الصناعية الكبري. لكن سلاطين آل عثمان استمروا في الاتجاه نفسه الذي بدأه الأيوبيون، عندما فرضوا العسكر على الرعية ولم تكن الانكشارية التي اعتمدوا عليها وسلطوها على المجتمع المدني إلا مماليك الدولة العثمانية الذين حموها بسيوفهم وإخلاصهم، ومدوا حدودها في جميع أنحاء المعمورة أو الثلاث قارات المعروفة وقتها. وفي الوقت نفسه قضوا على فرصتها في دخول العصر الحديث، ثم كانوا أعجز عن أن يخلقوا حضارة وأقوى من أن يرغموا على قبولها!

ومن دلالات التاريخ أنه كما كانت الحروب الصليبية هي التي دفعت طبقة العسكر إلى الصدارة في المجتمع الاسلامي وما ترتب على ذلك من ضياع فرصته في العصر الرأسمالي ـ الصناعي، فإن الحرب نفسها أحدثت العكس تماماً في أوروبا إذ خلصت المجتمع المدني من العسكر (ذبح عسكر المسلمين فرسان أوروبا، فحرروا عدوهم التاريخي!) واستعان ملوك أوروبا من ثم بالمثقف والتاجر في بناء الأوطان الموحدة والمجتمع المدني، ثم حضارة العصر الصناعي أو النظام الرأسمالي الذي استخدم العسكر لبناء الامبراطورية ولم يستخدمه العسكر.

فلنقصر حديثنا هذه المرة على العلاقة بين المثقف الذي أصبح رعية والعسكري الذي أصبح حكومة، فمنذ ذلك التاريخ وإلى اليوم يتعرض المثقف المسلم لاغتصاب العسكر. وتتفاوت مواقف المثقفين.. منهم من يرى برهان ربه وشعبه فيستبق الباب هارباً بدينه وشرفه الثقافي ويقد قميصه من دبر، كما فعل المثقفون المصريون زمن فرعون، قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات. وكما فعل المئات وربما الألوف من الذين شنقوا وعذبوا أو تشردوا منذ انقلاب حسني الزعيم. ومنهم من يوضع في قميص المجانين أو يسلم الروح، ولا يفرط في قميصه. ومنهم من لا ينجح في الإفلات ولكنه يقاوم حتى يقد قميصه من قبل ومن دبر. والغالبية تكتم عارها وتستسلم مكتفية بلعن المنكر في صيغة اضعف الإيمان. ولكن هناك فئة فضلت التكسب بقميصها فهي تخلعه راضية وتفرشه للمغتصب على الرملة، وهناك من يعلنون رضاهم وامتنانهم لما يفعله العسكر. وبعضهم، وهم شر الناس، يفلسفون الاغتصاب وينظرونه ويدعون أنهم هم الذين اقترحوا الاغتصاب، وأن الأمة كانت تتمنى هذا الذي يفعله العسكر بها وهو العلاج الوحيد لكل متاعبها. من هؤلاء الفيلسوف الكبير الأستاذ صادق النيهوم، ودعكم من كل العجيج والضجيج الثوري الذي يغطي به ثقب قميصه.

العسكر في العالم الثالث، والعالم العربي بالذات لا يحبون الديموقراطية على الطراز الغربي، ولا يسمحون بالأحزاب ولا البرلمان ولا الانتخابات ولا حرية الصحافة. وهذا ما يوافقهم عليه النيهوم حرفياً، ويتطوع بأن يعلن شرعية هذه النظم، إذ إن هذه الديموقراطية لا تصلح لأمتنا! فنحن محرومون منها ليس بسبب ديكتاتورية العسكر بل لأنها رجس من عمل الشيطان كما يقول الفقيه التقليدي، أو من سلوكيات الملائكة لا يطيقها ولا هي فرضت على العربي، لا تصلح لنا ولا نصلح لها كما يقول الصادق النيهوم:

(الصحافة والدستور والحرية لا مكان لها في المجتمع العربي أو الاسلامي المعاصر أو الثالث خلف جبل طارق لأنها نظام خاص بالغرب وحده. شرط قيامها هو وجود نظام رأسمالي غربي وهو لا يمكن تقليده أو فهمه أصلاً إلا في مجتمع صناعي يشكل فيه رأس المال قوة قادرة على ردع الإقطاع ويشكل فيه العمال قوة قادرة على ردع الإقطاع ويشكل فيه العمال قوة قادرة على ردع رأس المال ومن دون هذا التوازن المعقد… إننا لا نستطيع أن نكون مثل الأوروبيين).

أرأيت؟! لقد عمل العسكر ما فيه صالحنا وعسى أن تكرهوا!

وحكام العالم الاسلامي الذين يرفضون الديموقراطية بالصيغة العالمية المعروفة يرفضون أكثر دعوة العودة للاسلام، ولكنهم لأسباب جماهيرية وتاريخية لا يستطيعون معارضة الاسلام من أساسه، ولا حتى في حدود ما فعله أتاتورك. ومن ثم فهم يدعون إلى التمسك بجوهر الاسلام ويتركون للمثقف المغتصب طرح صيغة أو تفسير للاسلام لا تهدد سلطتهم ولا دورهم في إطار المسموح به عالمياً. وهذا ما قام به النيهوم بجهد يثاب عليه بدون شك. وبالنسبة إلى واقع النيهوم الخاص فإن النظام هناك اختار صيغة اللجان الشعبية التي يحاولون وصفها بالديموقراطية المباشرة التي كانت تطبق في بداية حضارة المدن في اليونان القديمة، ويطلقها البعض على نظام الحكم في سويسرا.

الصادق النيهوم نظر الواقع السياسي العربي. ولم يهاجم الديموقراطية، لا، هو أذكى من ذلك. الديموقراطية هي أعظم نظام لكن لا حظ لنا فيها ومن العبث المطالبة بها لأنها اختراع غربي نشأ مع المصرف والمصرف ظهر مع استعمار العالم الجديد. وبما أننا لم نحضر حفلة اكتشاف أميركا فلا يمكن أن تقوم عندنا ديموقراطية، بل يتحتم على السلطة أن تحل وتمنع كل الأحزاب لأنها ظاهرة مستوردة فاشلة وأفشلت جهودنا نحو التقدم وسرقت الحرية من الشعب. يقول المفتي الثوري:

(نظام الأحزاب ليس ضمانة للديموقراطية، إلا في بلد فاحش الثراء، عايش تجربة الثورة على الكنيسة، وشارك في الغارة على قارات المحيط).

(بدون هذه الشروط مجتمعة، تصبح الأحزاب مجرد نواد سياسية، معرضة لإغلاق أبوابها فوراً عند أول انقلاب يقوم به رجال الدين، كما حدث في إيران، أو الجيش كما حدث في مصر).

(استعارة نظام الأحزاب من دول الغرب وهي فكرة أقرب إلى الشماتة منها إلى النصح، لأن العرب لا يملكون رأس المال نفسه، ولا يملكون العمال، ولا الأسواق، ولا المصانع، وليس بوسعهم أن يؤسسوا أحزاباً لا تجد ما يدعوها إلى التحزب).

(فالديموقراطية القائمة على تعدد الأحزاب صيغة رأسمالية محضة، تخص الأوروبيين الرأسماليين وحدهم ولا يمكن نقلها إلى بيئة أخرى).

هذه فتاوى جديرة أن يكتبها طغاة العالم الاسلامي بالإبر على أماق البصر، وهم يكتبونها فعلاً بالسياط على جلود الشعوب! وكان بغايا الفكر وما زالوا يتهمون الاسلاميين بأنهم هم الذين يعادون الأحزاب، وها هو عدو الاسلاميين اللدود ينسف أي أساس للمطالبة العامة التي تجتاح العالم الاسلامي اليوم، من اجل حق تشكيل وتعدد الأحزاب، وهو لا يفسر لنا كيف ألغيت الأحزاب في ألمانيا وإيطاليا بالسهولة نفسها التي ألغيت بها في مصر، رغم أن ألمانيا وإيطاليا عندهما الاسم الأعظم وهو المصرف، وشاركتا في حفل اقتسام العالم، ووصلتا إلى أعلى درجات السلم الرأسمالي ورغم ذلك، بل وبسبب ذلك أمكن قيام ديكتاتورية فيهما ألغت الأحزاب وحلت البرلمان وادعت الحكم باسم الشعب! وهناك أيضاً وجد هتلر وموسوليني. ولا ننسى ستالين، فهو من فلسف لهما أن الأحزابوالبرلمان والديموقراطية اختراع يهودي شرير أو من صنع الرأسمالية عدوة العمال. ثم انتهى هذا الزيف وألقيت بقاياه في المحيط يلتقطها بعض السيارة في العالم المتخلف.

وقادة العالم الثالث ورعاته لا يحبون البرلمان ولا الانتخابات وقد جاء في الكتاب الأخضر أن التمثيل تضليل، وهنا يتقدم المفتي لينظر ذلك ويحلله فيقول إنه لا يمكن قيامبرلمان إلا بالأحزاب ولا أحزاب ولا صراع إلا إذا أقام المصرف وأصبح المجتمع من طبقتين طبقة العمال وطبقة الرأسماليين وحيث إن… إذن لا يكون.. وما يجري هو بالضبط ما يجب أن يكون (فكل مخ) باطمئنان واقرأ الفاتحة للسلطان!

ويلخص النيهوم رأيه بأنه يدعو للديموقراطية المباشرة التي هي (ليست الفوضى وليست فكرة خيالية، بل هي فكرة حية ومعمول بها في بلدان كثيرة على درجة عالية من التنظيم والتطور منها دولة الإتحاد السويسري التي تجمع أربعة شعوب مختلفة تحت قبة برلمان واحد).

لا يجوز القول بأن سويسرا تحكمها اللجان الشعبية فسويسرا منذ 1848م يحكمها برلمان من مجلسين على طراز الكونغرس الأميركي، مجلس نواب من 200 عضو ومجلس المقاطعات أو الكانتونات. والمجلسان أو البرلمان السويسري يختار الحكومة ويراقب نشاطها. وفي سويسرا 12 حزباً رئيسياً ممثلة بالبرلمان وتشكل 8 تكتلات برلمانية. وفي الانتخابات الأخيرة كان 2و4 مليون نسمة لهم حق الانتخاب و 2400 مرشح على 222 قائمة. ويحتكر الحكم في سويسرا منذ 1959 تحالف من أربعة أحزاب. أما الديموقراطية المباشرة في سويسرا والتي تسبب الخلط في بعض الأذهان ويستخدمها البعض لتبرير قرارات الشرطة عندهم، فهي تعني حق الشعب في اقتراح القوانين أو طلب إلغاء قانون أو تعديل الدستور، كما تعني الاستفتاء الشعبي الذي أخذ به السادات وأسرف.
في سويسرا يحق أن يطلب خمسون ألف مواطن إعادة عرض قانون أقره البرلمان في استفتاء عام، كما يستطيع المواطنون طلب تعديل الدستور بشرط أن يجمعوا مائة ألف توقيع خلال مدة أقصاها 18 شهراً. ثم يطرح المطلب للتصويت العام ويشترط حصوله على أغلبية عامة على مستوى الدولة كلها، ثم أغلبية الكانتونات وهي الوحدات التي تكون الاتحاد السويسري الفيدرالي. فالاستفتاء الذي تجريه الحكومة والاستفتاء الذي تجبر عليه الحكومة هما العنصران الرئيسيان لما يسمى بـ (الديموقراطية المباشرة). وفي داخل الكانتونات يصوت الناخبون على كل إضافة للميزانية فوق حد معين. وكما حدث في مصر يعترض الكثير من فقهاء القانون والسياسييين في سويسرا على أسلوب الاستفتاءات لأنهم يعتقدون أنها وسيلة لتضليل الشعب لحساب المصالح الاحتكارية الكبرى التي تتمكن من خداع المواطن العادي بعكس الحال مع النواب في البرلمان.

أما عن ديموقراطية الهواء الطلق كما يسمونها في سويسرا وهي القشة التي يتشبث بها النيهوم، فهي تمارس في خمسة كانتونات فقط من 26. وذلك حين يجتمع الشعب كله لإقرار ميزانية الكانتون والقضايا الهامة للكانتون، وقد أصبحت أشبه بمهرجانات لإحياء التقاليد وجذب السياح. ففي كانتون (ابانزل) لا بد أن يحمل الرجال السيوف لإثبات حقهم في التصويت (لأن حمل السيوف كان محظوراً على العبيد والنساء) وقد اضطروا لإعطاء النساء ترخيصاً كتابياً بالحضور. وهذا يؤكد أنها تقاليع ومهرجانات سياحية وليست طريقة جادة لحكم البلاد.

باختصار الديموقراطية التي يبشر بها الصادق النيهوم، بعد أن شرق وغرب وأتى بكل طريف ومستغرب، هي اللجان الشعبية ولكن لو كتب ذلك لما أصبحت له ميزة عن الكتاب الوافدين، ومن ثم يفاجئك النيهوم بقنبلة الجامع:

(لا بد من العودة للجامع فهو بداية ديموقراطيتنا. هو الحل لمشاكلنا. هو المحرر للاسلام الأسير والمسلمين المستضعفين. هو البديل عن المصطلحات الديموقراطية الرأسمالية) إنه مقر مفتوح في كل محلة يرتاده الناس خمس مرات كل يوم. لهم حق الاجتماع فيه، حتى خلال ساعات حظر التجول. تحت سقفه مكفولة حرية القول، وحرية العقيدة وسلطة الأغلبية في لغته كل المصطلحات المطلوبة، وكل كلمة حية ترزق).

فكيف يطالب النيهوم بالعودة إلى المسجد أو حتى بحكم المسجد؟ هل سيقول إن الحل هو الإسلام؟! هل آثر النيهوم الحرية وقرر أن ينطلق مع قوافل الشهداء، أم أن ا للجاجة والتفاصح أوقعاه في شر أفكاره وأطبقا عليه فخه؟!

هيهات!! إنه عبقري من الطراز النادر. ولعله وصف فكره فأبدع عندما قال:

(تعرضت الأغلبية لحملة نفسية مروعة قادها السحرة منذ عصر سومر لتبرير سلطة الملك ـ الإله في برنامج معقد من الخرافات والأساطير استهدف تخريب عقول الناس وحرق كل جسر يربطهم بواقعهم).

هذا تعريف شديد الدقة لما يقوم به الساحر المعاصر الصادق النيهوم. وإذا كان النيهوم يرفض البرلمان كما يرفضه كل العسكر، ولكن على أساس أن كلمة برلمان لا وجود لها في لغتنا! إلا أنه لا يتمسك بهذا الاعتزاز الوطني في نظريته عن المسجد، إذ يرفض اللفظ الذي ورد في القرآن ويصر على كلمة الجامع التي لم ترد ولا مرة واحدة لا في القرآن ولا في السنة. وهو على أية حال يرفض السنة، ولا يساير في ذلك العسكر وحدهم، بل الخوارج الذين ما زال نفوذهم الفكري يترك بصماته على تفكير الكثيرين من العرب حتى النيهوم!

هو ضد المسجد الذي يضم المسلمين المصلين والعابدين والعاكفين. وهو يريد جامعاً يجمع الناس:

(بغض النظر عن دياناتهم وشعائرهم).

(المسجد فكرة قديمة عرفتها كل الحضارات، ولها اسم في كل لغة أما الجامع فهو فكرة أخرى، لم يعرفها أحد ولم يدع له أحد إلا الإسلام).

نعم، ولا عرفها الاسلام ولا الله سبحانه وتعالى الذي فضل لفظة المسجد ولم يذكر الجامع قط!

الجامع الذي يطالب به النيهوم هو النقيض لمسجد المسلمين، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك. فهو مكان يريد النيهوم أن يجمع فيه:

(الناس المتفرقين بين المساجد والكنائس والمعابد في جهاز إداري موحد (…) هذا الجامع لم تعرفه ثقافتنا العربية أبداً لأنه انتهى قبل أن تولد، وتركها تنمو في المساجد لكي تصبح نصف ثقافة، لغتها تقول شيئاً وواقعها يقول شيئاً آخر (…) .

فالمسجد كان النكسة والمطلوب الآن تحرير الجامع من المسجد. تحريره من الاسلام وسيطرة المسلمين، وجعله مرتعاً لغزلان وملتقى صلبان ونجمة داود.

النيهوم يدعو لدين جديد غير الاسلام الذي يتبعه المسلمون واتبعوه، هو ضد حديث أركان الاسلام الخمسة. فهذا الحديث:

(هو الذي أضاع الاسلام ومكن بني أمية من سلب حقوق الناس).

ليس كلامنا هنا بهدف نقد أفكار النيهوم، وإنما تأصيلها، بردها لجذورها وكشف ادعائه لثورية كاذبة، وإلا لقلنا متى وكيف مكن هذا الحديث بني أمية من سلب حقوق الناس؟ هل توجد دولة في تاريخ العالم واجهت ثورات وتمردات مثل دولة بني أمية فأين تأثير هذا الحديث؟ وهو يرفض الصلاة كعبادة ويعتقد أنها ضرب من اليوغا أو برنامج لجني فوندا سابق لعصره.

(إن حركات الصلاة الاسلامية ليست رموزاً بل أوضاع يتخذها المصلي لتمرير ضغط الهواء في جميع أنحاء جسده بتوقيت الشهيق والزفير).

ولن فقهاء الاسلام لم يكونوا يتقنون علم الشهيق والزفير مثل النيهوم، فإنهم لم يكتشفوا أبداً لماذا:

(اختار الرسول (ع هذه الحركات من دون سواها. مما دعاهم إلى تفسيرها تفسيراً بلاغياً بحتاً فالوقوف في الصلاة هو المثول بين يدي الله والسجود هو إبداء الخضوع (…) إلخ).

وهو غاضب جداً لأن أطفالنا يجبرون على تلاوة القرآن قبل أن يتموا العاشرة، وغاضب لتحريم الفقه زواج غير المسلم بالمسلمة.

والاسلام دين عنصري لأن المسلم يعتقد أنه:

(هو عبد الله الصالح الذي وعده ربه بالخلود في الجنة، ووعد غيره بالخلود في النار. إنه مثل الرجل الأبيض الذي يعتبر لون جلده مبرراً شرعياً بالتفوق (هل الدين يقوم على الاختيار الحر والمفتوح لكل من شاء. ألم نقل إننا أمام نصب فكري؟!) ويتابع: (وهي فكرة تناقض نصوصاً قرآنية صريحة، لكنها أصبحت قاعدة لقوانين اسلامية متعددة، منها تحريم زواج المسلمة من غير المسلم (القوانين العربية تحرم زواج الليبية والكويتية من المصري أو السوداني.. إلخ. وكما قلنا إن الاسلام قطع نصف الطريق بأن أباح الأسرة المتعددة الأديان، بزواج المسلم من غير المسلمة وهذه خطوة لم يقم بها أي دين آخر، فهل يستحق الذي قطع نصف الطريق أن يخص بالهجوم والنقد بينما لا ينتقد موقف الآخرين الذين يرفضون إلى اليوم زواج الرجل أو المرأة ولو حتى من مذهب آخر داخل الدين نفسه.. عجبي!).

الصادق النيهوم عندما يتحدث عن الجامع هو يعني اللجان الشعبية وليس المسجد فهو ضد المسجد الذي أضاع الجامع (ضاع الجامع وراء المسجد). وهو ضد الحل الاسلامي والاسلاميين، مثل السلطة كل السلطة في العالم الثالث، بل ومثل حكومة فرنسا وأميركا وتل أبيب (…) إلخ. فهو يقول:

(فالدعوة التي ترتفع حالياً في أرجاء الوطن العربي، مطالبة ]بإحياء الاسلام[ دعوة لا تطالب بإحياء صوت المواطن المسلم في مؤتمر يوم الجمعة، بل تهدف إلى تكريس إلغاء الحوار باسم الاسلام نفسه).

ثم يفقعنا حكمة:

(الاسلام الذي يبشر به القرآن ليس شريعة تطبقها دولة، بل دولة أخرى في حد ذاتها).

وهو يزيدنا تعريفاً بجامعه الذي هو نقيض مسجدنا فيقول:

(بيت لا تسري عليه قوانين الدولة).

إن كان يقصد اللجان الشعبية فهو يخدعنا، لأنها تشكلت بموجب قرار من رئيس الدولة وتسري عليها قوانين الدولة بالطبع وبالوضع. وإن كان يتحدث عن مسجد المسلمين فهو بالطبع تسري عليه قوانين الدولة التي تشرعها بموجب دين المسجد، وقد يكون التشريع في المسجد أو خارجه ولكن المهم هو أن يكون بوساطة أهل الحل والعقد. وبموافقة الأمة بالاسلوب الذي يضمن شرعية وجدية ونزاهة وصدق هذه الموافقة. المسجد لم يصنع المواطن الحر بل صنعه القرآن والسنة. نعم السنة التي علمت المسلم، أنه لا قدسية لبشر ولا عصمة لقرار، بل حتى قرارات رسول الله في أمور الدنيا قابلة للخطأ وللمراجعة والتصحيح. المسلم الذي تعلم ذلك في غزوة بدر، هو الذي علم المرأة أن تصيح في المسجد: ليس لك هذا يا عمر! وعمر تعلم من سنة الرسول أنه لا بد أن يرجع عن الاجتهاد الخاطئ، متى نبه له. فالأصل هو الاسلام، هو المجتمع المسلم. هو المواطن المسلم. أما الجامع الذي يضم كل الأديان فهو هايد بارك أو لعله دعوة بهائية ستكشف عنها الأيام! كذلك رفض الاسلام سياسة القطيع الذي يحشد في مكان عام ويصيح موافقون موافقون. أو ما يسميه النيهوم بالديموقراطية المباشرة. ولما حدث ذلك بادر رسول الله بأبي وأمي فقال:

(لا! ولكن اختاروا من بينكم نقباء يرفعون إلينا رأيكم).

هذه هي الديموقراطية الحقة دون حاجة للمصرف اليهودي ولا غزو أميركا وإبادة الهنود الحمر!

(وقد تعمد رسول الله أن يوكل إمامة الصلاة الجامعة إلى المسؤول السياسي شخصياً، لتسهيل مهمة الحوار السياسي بالذات).

وتحلو له لعبة البيضة أو الفرخة (أو حاوريني يا طيطة) فنحن لا نستحق البرلمان ولا الديموقراطية قبل أن نمتلك المصرف ولا سبيل لمصرف إلا بالديموقراطية و:

(تطبيق الشريعة يحتاج أولاً إلى مجتمع شرعي).

ولا يخبرنا كيف يصبح المجتمع شرعياً أو (كوشير) من غير شريعة أو قبل أن نطبق الشريعة!

(إن كل قانون تسنه الشريعة تحت سلطة الإقطاع يصبح قانوناً مسخراً لخدمته. وكل سلاح تشهره الشريعة للدفاع عن الناس، يتحول إلى سلاح إلهي ضدهم، لأن الخلطة نفسها مستحيلة من أساسها).

الخلطة فاسدة جداً. الشريعة لا تشرع تحت سلطة الإقطاع وإنما هو الإقطاع الذي يشرع حتى لو ادعى أنه يشرع باسم الشريعة. فنحن غير ملزمين بتصديقه. والثورة على الإقطاع تمت باسم الشريعة، وهي التي حررت الانسان المسلم من ذل الإقطاع قبل إنسان أوروبا بألف سنة. لم ينوجد في العالم الاسلامي (حق الليلة الأولى)، ولا بيع الذين ولدتهم أمهاتهم أحراراً، ولا كان الفلاح المسلم يعتقد أن دم النبيل أزرق.

دعنا من الجامع والمسجد ولنتوقف قليلاً عند تسبيح النيهوم بالمصرف والنظام الرأسمالي، وسنكتشف أنه إنما يعبر عن إعجابه وامتنانه لليهود، فهم اذين أهدوا البشرية مفتاح الكنز وهم أصل الحضارة واقرأ معي هذا:

(جلس قادة العبرانيين الهاربين برؤوس أموالهم من مصر (حتى التوراة اعترفت أنهم سرقوها من المصريين، ولكن الكاتب الليبي الثوري يشهد بأنها رؤوس أموالهم! حقهم هربوا من الطغيان أو النهب المصري لكي يكتبوا النسخة الأولى من دستور الدولة الرأسمالية الحديثة، ويؤسسوا أول جمهورية ديموقراطية في التاريخ).

(دولة على رأسها نبي ويديرها كهنة وبموجب لوح عليه وصايا من السماء تكون ديموقراطية وجمهورية لمجرد أنها يهودية الدين؟! أما الاسلام فمحرم ورجعي طوال عمره). فهو يقول:

(إن أربعة عشر قرناً من الاسلام لم تنتج في واقع العرب سوى حكومة اسلامية واحدة).

أما دولة اليهود التي قامت على الذبح والتذابح، فقد وضعت أول دستور ديموقراطي وأول جمهورية، بل الدستور الأم الذي بقي إلى اليوم. فهو يتابع:

(وهو دستور سوف يستعيره اللورد كرومويل، عندما يفتتح عصر الجمهوريات الأوروبية، ضامناً لليهود جميع حقوق التأليف).

ولا مناحيم يبغن في جهله وصلفه قال ذلك، أو يمكن أن يدعي أن اليهود هم أصل الحضارة! هذه طبعة جديدة شديدة الادعاء للتوراة، وتقرب كاتبها من جائزة نوبل، لولا خلوها من أي أساس أو حياء علمي!

تحت تصنيف مقالات جلال كشك | 2 عدد التعليقات »

« المواضيع السابقة